ميلاد الحبيب .... ميلاد أمة شمسها لن تغيب

ربما كانت الحالة التي اعترت الفاروق رضى الله عنه عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهي حالة غريبة لا تتناسب مع المشهور عن قوة بأسه ورباطة جأشه كانت نابعة من الفهم العميق لمعنى أن تفقد الأرض آخر رباط مادي محسوس بين الهداية الإلهية وكوكب الأرض، أكثر مما تعبر عن فقد صديق حميم، أو قائد ملهم، أو أستاذ عظيم، حقا لقد خسرت البشرية خسارة عظيمة من ولد منهم ومن لم يأت بعد بغياب رسول الله عن العالمين، خسارة ليس أقلها أمان الخسف والمحق والإهلاك العام، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: 33] وسوف يدرك هذا أعمق ما يكون الإدراك، كل من تشتت به السبل، وكثرت عليه الشرائع، والتفاسير، والتأويلات، والآراء، فصار لا يهتدي من أين ولا إلى أين الطريق؟
لأنه لم يعد في الأرض كلمة فصل تأخذ بيدك نحو طريق لا يكون معه بعض الشك في خطا الاجتهاد، أو فساد التأويل، أو هوى عالم، أو عجز فقيه، لم يعد في الأرض من تأتيه فتقول إن شرائع الإسلام كثرت علي فأوصني وأوجز، فيمنحك علاج نفسك من دون النفوس، ولا من تقول يا نبي الله إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فيهون عليك الأمر، ويجعلك شريكه ومعاذا، ولا من تأتيه فلا تخجل من أن تقول "إئذن لي في الزنا، فيحتوى ضعفك البشري، ويربت على روحك، ويدلك ويعينك ويدعو لك، ولا من يمس جلدك جلده فيحرم جسدك على النار، والحاجات لا تنقطع والحوادث لا تنتهي.
صحيح أن هدي الله لم ينقطع عن البشر وحفظه لدينه وكتابه وسنة رسوله آية باقية في العالمين، وهي كافية في إقامة الحجة، والله يعفو عن الخطأ والنسيان والعجز والإكراه، لكنها زفرات مشتاق لرؤيا الحبيب، والنهل من منهلٍ عذبٍ لا يغيض، ومزاحمة أصحاب كرام عند أعتابه بالركب والمناكب، والحياة في مجتمع نوراني كريم.
في كل عام في ذكرى الميلاد العظيم يثور لغط وجدال واسع حول المشروعية والبدعية، ومما نقرأه ونسمعه من المدارس المختلفة ندرك أن أغلبهم يتكلمون في أودية متباينة، لا يتكلم أحد منهم عن الاحتفال بقدر ما يتكلم عن مظاهر مصاحبة لهذا الاحتفال، ولعلهم إذا ما خصوا الحديث وحصروه في حكم هذه المظاهر بدلا من هذا العنوان الكبير "الاحتفال بالمولد" يكون أوفق للموضوع، وأقرب للصواب، وأكثر فائدة لعامة المسلمين.
اللهم صلاة وسلاما دائمين بدوام عرشك، عدد ما خلقت وما كان وما يكون. والحمد لله رب العالمين.