غزوة أحد ... دروس للنهوض بالأمة (2)

فى المقال الأول عن الدروس المستفادة من غزوة أحد ناقشنا مبدأ الشورى، واجتهدنا فى استخلاص أهم ملامح الشورى داخل دولة المسلمين الناشئة، أثناء تداول الرأى فيما يخص غزوة أحد، وكيفية خوضها.

فى هذا المقال نستكمل إن شاء الله بعضاً من الدروس الأخرى الواجب مدارستها، والتركيز عليها، لما فيها من فوائد جمة للأمة والمجتمع.

الحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه

لا شك أن النصر والنجاح من أكبر عوامل الاستقرار والاستمرار، والعكس مع الهزيمة والفشل، ولكلٍ من النصر والهزيمة فتنته التى قد تحيد بالأمة عن منهج الله أو تزعزع إيمانها، وبعد أن تعلمت الأمة دروس النصر، وتشربت آدابه يوم بدر، أتى يوم أُحد بعد عام واحد بأحداثه ودروسه، لتقف الأمة على حقيقة إيمانها وقت الهزيمة، ولتراجع نفسها، وتصوب ما وُجد من قصور وخطأ. وسنقف هنا على بعض المشاهد من غزوة أحد التى كادت أن تعصف بالدولة الناشئة، ولكن رحمة الله وحكمة رسول الله ﷺ وصحابته حالت دون ذلك، وحصنت الجماعة المؤمنة ودولتهم الوليدة من خطر الانهيار والتفسخ المجتمعى.

الأول: حينما انخذل عبدالله بن أبى بثلث جيش المسلمين فتّ ذلك فى عضد غيرهم، وكان لحجته صداً فى نفوس بعض المسلمين ممن لم يعرفوا حقيقة نفاقه بعد، فهَمَّ الجنود من بنى سلمة من الخزرج وبنى حارثة من الأوس أن ينخذلوا مع المنخذلين، وكان الفريقان جناحا جيش المسلمين وقتئذ، ولم يكن انخذالهم نفاقاً، وإنما جبناً وخوراً لما أحسوا أن جيش المسلمين صار مكشوفاً،  ولكن الله عز وجل عصمهم من الزلل لما يعلم فى قلوبهم من خير وإيمان.

{إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[آل عمران:122]

وقد ذكر الإمام شمس الدين القرطبى فى تفسيره الجامع لأحكام القرآن أن القوم حين أوشكوا على اتباع ابن سلول قام بعضهم ناصحاً ومذكراً؛ فذم بعضهم بعضاً فثبتوا على الحق.

فى هذا الموقف يتبين لنا بجلاء أثر المنافقين فى المجتمع، وكيف أن السكوت عنهم وعدم بيان نفاقهم وإرجافهم قد يفتن غيرهم من الصادقين المخلصين، كما أن موقف الصحابى الجليل سيدنا عبدالله بن حرام فى النصح لقومه كان سبباً فى رجوعهم إلى الحق، وثباتهم مع رسول الله ، وعدم انخذالهم مع عبدالله بن سلول وزمرته، وهذا يوضح لنا بجلاء أهمية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى المجتمع المسلم، وأنه سبب هام وعلاج  ناجع  فى الحفاظ على تماسك المجتمع ووحدة الأمة.

ففى صحيح مسلم من حديث أبى رقية تميم الدارى رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: {الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم}.

وقد يعمد إبليس إلى أهل الحق وقت الفتنة وعلو المنافقين، فيلبس عليهم الأمر، ويدفعهم دفعاً للانزواء والانشغال بأنفسهم، ولو نجح فى هذا الأمر مع أمثال سيدنا عبدالله بن حرام؛ لمّا رأى من انخذال قومه لانكشف المسلمون تماماً يوم أحد، والله وحده يعلم ما كانت لتؤول إليه الأمور حينها، ولكن فقه سيدنا عبدالله بن حرام من فقه الصديق رضى الله عنهما حين وقف فى الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَوإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله قال:{ إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله ، عز وجل ، أن يعمهم بعقابه}.

الثانى: فى شأن رماة المسلمين يوم أحد وموقفهم،  فقد وردت روايات عدة، الاختلافات بينها يسيرة جدا، أنقل فيها ما رواه الإمام أحمد فى مسنده عن البراء بن عازب رضى الله عنه قوله: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد (وكانوا خمسين رجلاً) عبدالله بن جُبير، قال: ووضعهم موضعاً (يعنى فوق الجبل) وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطيرُ فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم.

قال: فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسواقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن.

فقال أصحاب بن جبير: الغنيمة، ظهر أصحابكم، فما تنظرون؟ قال عبدالله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟ قالوا: إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة. فما أتوهم صُرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين...

وفى هذا الموقف نزل قول الله عز وجل:

{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}[آل عمران:152]

ومما يستفاد من هذا الموقف أن كل الروايات الموثوقة لم يرد فيها من أسماء الرماة الخمسين إلا قائدهم الذى ثبت ولم يعص أمر رسول الله ، أما من عصوا وكانوا سبباً مباشراً فى هزيمة المسلمين فلم تُذكر أسماؤهم أبداً صيانةً لهم وستراً لهم ولأبنائهم لئلا يعيروا أو يظلوا فى مرمى اتهام المسلمين أبد الدهر، لتسببهم فى مقتل المسلمين وانكشافهم يوم أُحد، فيكون ذلك سبباً فى تفتيت المجتمع، وإثارة الثارات والأحقاد داخل الجماعة المؤمنة.

بل إن الشاهد هو أن خطاب العتاب من رب العالمين قد استقبله المؤمنون كافة، وكأنه يعنيهم هم كل على حدته لا الرماة بعينهم. فعن ابن مسعود قال : إن النساء كن يوم أحد، خلف المسلمين، يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر: أنه ليس أحد منا يريد الدنيا، حتى أنزل الله عز وجل: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ}. وقد روى الكلام نفسه عن عبدالرحمن بن عوف وأبى طلحة رضى الله عنهم أجمعين.

وهذا درس هام لنا، فالمجتمع بأكمله حين يفرح وقت النصر، وينتسب الجميع له وجب عليه أن يتشارك المسئولية وقت الهزيمة، حتى وإن بدت أسبابها وعُرف أربابها، فالخلل وإن تركز فى جماعة أو مجموعة بنسبة كبيرة إنما توجد آثاره وأسبابه فى غيرهم ولو بنسبة أقل. وقد كان من الممكن أن يقوم بالفعل أشخاص آخرون إن انتخبهم رسول الله ﷺ لذات المهمة ولكن الله عصمهم، ولذا فالاصل فى مثل هذه الأوقات أن يبحث كل منا فى نفسه وعن مسئوليته فى الهزيمة، لا أن يلقى بالتبعة كاملة على غيره، ويجلس يوزع الاتهامات يمنة ويسرة، وليحمد الله على ستره إياه كونه لم يكن فى ذات الموضع، أو المكانة ولينظر هل فيه من أسباب الداء أو مظاهره شيئاً، فيتوب عنه ويعالج نفسه منه.

ولا زال فى درسنا متسع من المواقف، نكتفى بذكر ما جاء فى هذا المقال ونستكمله بحول الله فى المقال التالى.

والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل.


التعليقات