غزوة أحد ودروس هامة للنهوض بالأمة (1)

فى الجامع لأخلاق الراوى وآداب السامع للإمام الحافظ الخطيب البغدادى (392 هـ -463 هـ) ورد عن على بن الحسين بن على بن أبى طالب قوله: {كنا نعلَّمُ مغازي النبي وسراياه كما نعلَّمُ السورةَ من القرآن}.

وكان هذا من حسن فقه سلفنا الصالح رضوان الله عليهم فالغزوات هى ميادين التطبيق الحقيقى لأوامر رب العالمين الواردة فى كتابه وسنة نبيه فهي أشبه ما تكون بالبيان العملى والقياس التجريبى لأخلاق الأمة فرداً وجماعةً.

فكما أن في العلوم والقياسات الطبيعية يجب اختبار خصائص المواد الطبيعية بتعريضها لاختبارات مختلفة تختبر فيها المواد عند أقصى حمل ممكن لبيان خصائصها الحقيقية والوقوف على أسباب انهيارها ومعالجتها فيما بعد، ففى الغزوات يميز الله الخبيث من الطيب وتمتحن الأمة فى دينها وما تربت عليه عند الأحمال النفسية القصوى مع سرعة تبدل الأحوال بين إقبال الدنيا وإدبارها.

{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)} [العنكبوت].

وغزوة أحد لها مكانة متفردة فى تاريخ الإسلام كونها جاءت بعد نصر عظيم يوم بدر والذي لم يستعد له المسلمون ولم يخرجوا فيه طلبا للنفير فأيدهم الله بجنود من عنده قاتلت معهم وناصرتهم ورأى المؤمنون وعد الله بنصر المؤمنين رأى العين مما زاد من يقينهم بإيمانهم ومعية الله لهم. ثم كانت غزوة أحد التي خرج المسلمون فيها قاصدين الحرب متجهزين لها وما حدث فيها من هزيمة بعد نصر. فكان فيها من الدروس الواجب على الأمة كلها دراستها باستفاضة وتطبيق ما تعلموه منها كوننا نعانى من اجتماع الأعداء وتوحد كلمتهم علينا وانهزامنا وتقهقرنا فى الكثير والكثير من المجالات.

وفى هذه المقالة استعين بالله محاولا التعرض لبعض دروسها لعلنا نجد فيها علاجا لعلل أراها ألمت بنا ورأباً لصدوع تكاد أن تهوى ببنيانا، آملا منه سبحانه التوفيق والسداد.

  1. الشورى

فى شوال من العام الثالث للهجرة اجتمع لقريش ما يقارب الثلاثة آلاف مقاتل من قريش وغيرها من أحياء العرب من بنى كنانة وأهل تهامة وتحركوا قاصدين المدينة إنتقاما ليوم بدر. فور وصول الخبراجتمع رسول الله بأصحابه لمشاورتهم فى شأن التصدى لقريش وكيفية مواجهتهم، وقص عليهم رؤيا رأها وكان فيها أنه أدخل يده فى درع حصينة وأوّل ذلك بالمدينة. فاقترح صلى الله عليه وسلم على أصحابه ألا يخرجوا لملاقاة قريش وإنما يتحصنوا بالمدينة ويترقبوا حال قريش، فإن أقامت قريش على مكانها خارج المدينة فقد أقاموا بشر مُقام وإن دخلت عليهم قاتلوهم فى أزقة المدينة ورموهم من فوق أبنيتها بالنبل.

وكان لرأى رسول الله شواهد تاريخية تعضد رأيه وتدعم قوله وقد أيد رسول الله ﷺ شيوخ الأنصار ومنهم رأس النفاق عبد الله بن أبى بن سلول وأكد على كلامه ﷺ بقوله: يارسول الله لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه.

ورأى فريق آخر من المسلمين ممن فاتتهم بدر ويتحرقون شوقا لملاقاة أعداء الله أن يخرجوا لملاقاة قريش خارج المدينة فألّحوا على رسول الله ﷺ بالخروج قائلين: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنّا جبُنَّا أو ضَعُفنا. وكان لهذا الفريق الغلبة فى الرأى حتى نزل رسول الله ﷺ على رأيهم مع كراهته له ودخل ولبس لباس الحرب.

فتحادثوا فيما بينهم وقالوا: استكرهنا رسول الله ﷺ ولم يكن لنا ذلك. فلما خرج عليهم رسول الله ﷺ قاموا إليه معتذرين وقالوا: يا رسول الله إن شئت فاقعد (أى فلنحاربهم داخل المدينة ولا نخرج إليهم). فقال ﷺ: ما كان لنبى إذا لبس لأمته (لباس الحرب) أن يضعها حتى يقاتل.

عندما نتأمل قرار الحرب وكيف تم اتخاذه وجب علينا أن نتوقف عند عدة نقاط.

الأولى: تعظيم رسول الله ﷺ للشورى كقاعدة هامة فى بناء الدولة ورسوخ أساساتها وخصوصا فى النوازل الكبرى التى تحيط بالأمة جميعها. فكونه نبى ورسول مرسل من عند الله لم تحمله الرؤيا التى رآها (ورؤيا الأنبياء حق) على الإنفراد بالرأى وحمل الأمة عليه، بل لجأ لدائرة الشورى لدية ليستشيرها ويعرض وجهة نظره كقائد للمسلمين وتتبارى كل الأراء فى الجلسة حتى يخرج القرار بشورى تتحمل الأمة كلها عواقبها. وتعظيمه ﷺ للشورى ولجوءه إليها فى هذا الموقف رغم يقينه من صدق رؤياه إنما يرجع للدرس الذي علمه الله إياه بعد غزوة بدر. فحين جلس الرسول ﷺ مع صاحبيه للتباحث فى شأن أسارى بدر اتفق رسول الله ﷺ والصديق على المن والفداء على خلاف ما ذهب إليه الفاروق عمر من التنكيل بهم وعدم إظهار الشفقة أو الرحمة بحقهم وهو ما نزل فيه القرآن مؤيدا لما ذهب إليه الفاروق.

{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)} [الأنفال].

والتصويب لقرار الشورى فى أسارى بدر إنما نزل بعد إقرارها وإنفاذها تعظيما من الله عز وجل للمبدأ والقاعدة التى أراد غرسها فى نفوس أمة النبى الخاتم والتى أنزل فى كتابه سورة باسمها وحث المسلمين عليها فى غير موضع فى كتاب الله.

{وَأَمْرُهُمْ شُوْرَىْ بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].

{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].

الثانية: أثر تربية رسول الله ﷺ لصحابته على حرية إبداء الرأى والتصريح به يظهر جليا فى هذا الموقف حيث إن رؤيا رسول الله ﷺ وتأويله لها لم تكن مانعا لصحابته رضوان الله عليه من الإدلاء بأرائهم التى يعتقدون صحتها مع علمهم أن رؤيا الرسول ﷺ حق ولكن المقام لم يكن مقام وحي وإنما مقام رأى. وهذا ملمح هام جدا وجب على كل قائد ومسئول أن ينتبه إليه فلا يجعل لرأيه سلطانا معنويا على أتباعه بما يمنعهم من التحدث بما يخالف رأيه وإن رأوا غيره، بل الأصوب أن تتربى الأمة فى جو من الحرية والإنفتاح والإستماع لكل رأى دون تشكيك فى نوايا صاحبه أو تحقير من شأنه.

الثالثة: أن الشورى وإن كانت ضرورية بالإضافة لكونها عبادة وقربى لله عز وجل فليس شرطا أن يكون ظاهر ما نتجت عنه هو الصواب فها هو مجلس الشورى الذي يضم خير البشر ومعه رفيقيه الصديق والفاروق يخرج عنه قرار ينزل القرآن فيه مصوباً، ثم هاهو قرار الشورى فى غزوة أحد يأتي بخلاف الصواب الذي ارتآه رسول الله ﷺ والذي تبين صحته فيما بعد. ولكن تظل للشورى أهميتها فى تحصين القرارات من هوى النفس وحظوظها بالإضافة لتحقيق اجتماع الأمة على القرارات واقتسام مغنمها ومغرمها.

الرابعة: العزيمة على إنفاذ الشورى مالم تجد أمور لم تكن ظاهرة لأهلها فينعقد بها رأي جديد. وتمثل هذا فى إصرار رسول الله صلى الله عليه وسلم على إنفاذ ما اتُفقَ عليه رغم ما أبداه الصحابة من رغبة التراجع عنه إرضاءً لرسول الله ﷺ. فكون رأى رسول الله ﷺ لم يكن بوحي وإنما بتأويله لرؤيا رآها فقد عرض الأمر والقرار للمداولة والمشاورة بين صحابته (كما فعل قبلها فى بدر ومن بعدها فى الخندق) ثم أعطى صحابته والأمة من بعده الدرس الأهم فى احترام قرارات الشورى والجد فى إنفاذها (حتى وإن خالفت ما رآه صوابا) دون تململ أو تذبذب.

الخامسة: الانتصار للرأى وإن خالف ما انعقدت به الشورى ومخالفة الجماعة إنما هو من صفات المنافقين، والواجب على المسلم الحق علاج نفسه من هذا الخلق إن وجد فى نفسه بعضا منه والواجب على إخوانه مراجعة من هذا سمتهم ونصحهم، وإن أصروا فالواجب إظهار نفاقهم وشقاقهم لئلا يفتوا فى عضد الصف المسلم ويكسروا بنيانه. فمما رواه ابن اسحاق: أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة فى ألف من أصحابه حتى إذا كان فى مكان بين المدينة وأُحد انخذل عنهم عبد الله بن أبى وأتباع له فيهم كل الفرسان وكان عددهم ثلاثمائة أى ثلث جيش رسول الله ﷺ تقريبا. وحجته التى فتن أتباعه بها أن رسول الله ﷺ لم يأخذ برأيه وهو أكثر قومه دراية وخبرة وقال لهم: أطاعهم وعصانى، ما ندرى علامَ نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس.

وحينما انخذلوا عن رسول الله ﷺ تبعهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن حرام وقال لهم: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حَضر مِن عدوهم. فأجابوه بقولهم: لو نعلم أنكم ستقاتلون ما سلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الإنصراف قال لهم: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغنى الله عنكم نبيه ﷺ. وفى هؤلاء نزل قوله تعالى:

{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 167].

وأمثال هؤلاء ممن تعتل قلوبهم فلا يرون الحق إلا فيما يعتقدون ويقدمون رأيهم على ما انعقدت به الشورى إنما يتمكن منهم الشيطان حتى يصيروا ألعوبة بين يديه فينتظروا أى لحظة سقوط ليجهروا بحقدهم ويظهروا تشفيهم فى إخوانهم. فها هى ألسنة المنافقين تفضح ما فى صدورهم بعد الغزوة فأنزل الله فيهم:

{الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[آل عمران: 168]، وقد حسبوا أن الله يستر ما قلوبهم ولكن هيهات.

{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} [محمد:29].

يتبع إن شاء الله


التعليقات