بين الاختلاف المحمود والخلاف المذموم

رحمة الله على شاعر النيل العظيم حافظ إبراهيم حين قال:

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به *** رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

المجتمع الذي لا يوجد فيه اختلاف في الرأي، هو مجتمع غير واع بما يحدث حوله، فمن المستحيل أن أقبل كل ما يقال لي دون المشاركة وإبداء الرأي والاختلاف مع من حولي، ولكن المشكلة ليست في اختلاف الرأي إنما في تقبل الرأي الآخر، ربما تكون فكرته أفضل مني، وقد أثبتت التجربة أن تبادل الأفكار ينتج أفكاراً جديدة أفضل وأرقى، وتتفتح عقولنا، بما فيه إخصاب للعقل، وإثراء للحياة.

"وقد ذكروا أن رجلاً، صنف كتاباً في الاختلاف، فقال له الإمام أحمد بن حنبل: لا تسمه كتاب الاختلاف وإنما سمه (كتاب السعة).

"وبناءً على هذا قال أحد أهل العلم (إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة)

 إذاً أنا أتقبل الرأي الأخر، ولا أعارضه إلا إذا كانت قضايا قطعية، إذا كنا نتحدث عن قضايا الحق والباطل، الحلال والحرام، الظالم والمظلوم، وتكون القضايا مهما كان نوعها واضحة وضوح الشمس، فلا أستطيع مثلاً أن أوافق أحداً يتعامل بالربا، هذا حرام بين، أو أن أوافق أحداً يقف أو يعاون الظالمين.

 فعنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ

 إن الحلال بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وهِيَ الْقَلْبُ

 وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾

وفي حديث أنس (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله ﷺ انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره.

فإن من يخالفك في شىءً حرمه الله، ومنعك منه أو حاول الوقوف ضدك، فذلك يدل على محبته لك، لكيلا يقع لك أذى في دنياك، وتعاقب في مالك، أو أهلك، أو تصاب بمرض، وكل عذاب الدنيا مهما كان لا يساوي عذاب الآخرة.

فاحرص ألا تغوص فيما حرمه الله، أو تقف مع ظالم فتتشارك معه في نفس العذاب يوم القيامة.


التعليقات