طلب الكمال الكاذب

#حتة_حكمة

#طلب_الكمال

أكاد أجزم أن الله لم يخلق عدوا للنفس البشرية، ولا بابا من أبواب الشيطان، أكثر زينة وقبولا من "طلب الكمال الكاذب"

نعم طلب الكمال نوعان:

طلب الكمال الحق، وهو الذي يتبع سنن الله في الكون، ولا يرضى السفاسف، بل همته همة الملوك، وله نفس ترى المذلة كفرا، لكنه لا يقعد عند السفح منتظرا أن تأتيه معجزة ترفعه إلى أعلى الجبل.

ولا يترك طلب مبادئ العلوم، منتظرا أن يفتح الله عليه باب الاجتهاد دفعة واحدة، لا يترك كسب القروش القليلة، منتظرا الراتب الفخم مع السيارة الفارهة، بل يعلم أن العلم بالتعلم، والحلم بالتعلم، وأن الله جل شأنه وقدرته، خلق الإنسان من ضعف ثم من بعد ضعف قوة، وقد كان جلت قدرته قادرا على أن يخلقه قويا لا يمرض، شابا لا يشيخ.

يقول صاحبي: في مقتبل عمري، قررت قرارا جازما أنني لن أكتب أطروحة ماجستير عادية، كما الآخرين، فإما أن أكتب شيئا مميزا ومفيدا وإلا فلا، يقول ومرت السنون فلم أكتب لا عاديا ولا مميزا.

ويقول آخر جائتني فرصة للعمل بالخارج براتب لا بأس به، فقلت إما أن أغترب بمقابل مجز، وإلا فلا، فلم أحصل الراتب المجز ولا غيره.

وأخرى تقول: أريد أن أحفظ القرآن بالأحكام، أريد أن أتقن القرءاة كما الحصري، ثم لم تحفظ لا كالحصري، ولا حتى كمشاري راشد.

قد يقول قائل: وما العيب في هذا، وهل يرضيك أن يكتب هذا بضعة ورقات لا تسمن ولا تغني في العلم شيئا، ثم يناديه الناس يا دكتور، ولا يحسن تعليم أبناء الناس، أو يذهب ذاك فيقضي زهرة شبابه في الغربة ثم يرجع بخفي حنين؟!

أقول: لم تكن المشكلة أبدا فيما نقوله لأنفسنا لنقنعها بالاختيار الخاطئ، ولكن المشكلة فيما لا نقوله لها، أو لا نقوله للناس، نخفي عنهم ضعف نفوسنا، وانحطاط همتنا، وحبنا للراحة والدعة والكسل.

إذا كنت ترفض العادي، ولا تعمل من أجل المميز، فدعواك في طلب الكمال دعوى كاذبة.
إذا كنت تجهل أن لكل علو مدرجا، وأنك لن ترقى السطح دفعة واحدة، وأن التدرج سنة من سنن الله في الكون، فالأبعد أحمق مأفون.
من حكم الليالي التي لن تعطيها لك إلا بالثمن الباهظ، الثمن الذي ستدركه عند المشيب، حين لا يمكنك تدارك ما فات، لا تنظر إلى أبدا إلى ضعف البدايات فتستقله، ولكن انظر إلى جمال النهايات لتحرص عليه.
الكاتب العظيم، الذي ينتظر الناس بالآلاف ما يكتبه، انظر إلى أولى محاولاته لتعرف الفارق.

هذا اليوتيوبر الخارق الذي عنده الآن عشرة ملايين مشترك، ارجع إلى أولى حلقاته وستعرف كيف كانت النبتة.
هذا الباحث الفحل، الذي لا تقف أمامه مسألة علمية، اقرأ أول بحث له وستعرف أنك ربما اليوم خير منه يومذاك.

صدقني لا يهم أبدا كيف أنت الآن، ولكن اعرف إلى أين المسير، وكيف هي عدة الطريق، وسوف يتقاطع طريقك مع طريق العظماء يوما لا محالة.

عيدكم مبارك


التعليقات