مناسك الحج شبهات وردود

 مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة صارت الأحاديث والمناقشات مفتوحة الأفق، ومنها تلك التي يروّج لها بعض الملاحدة والمتشككين حول شعائر فريضة الحج ومناسكها.

 وبالرغم من أنه لا جديد في الإلحاد، وأن مناقشة شعائر وطرق أداء العبادات مناقشات لا يطرحها ملحد جاد أو مؤمن جاد؛ لأن الملحد لا يؤمن بالدين أصلا فلماذا يناقش العبادات المتعلقة به؟! والمؤمن قد آمن بالأصل بداية، واعتنق هذا الدين بالأدلة والبراهين العقلية والشرعية؛ ومن ثم وجب عليه الاستسلام للعبادات وطرق أدائها؛ فالعبادة فرع عن الاعتقاد. إلا أنه قد يكون من بين هؤلاء المتشككين باحث عن الحقيقة بتجرد، أو مضطرب لظروف أو شكوك ألمت وأحيطت به، فهؤلاء وجب علينا احترامهم وتقدير تلك الشكوك والبحث الجاد المتجرد منهم للوصول إلى الحقيقة، وإيضاح وإزالة شبهاته وشكوكه.

ونستطيع أن نجمل تلك الشبهات والشكوك المتعلقة بمناسك الحج في ثلاث نقاط:
الشبهة الأولي :الحج عبادة وثنية (عبادة الكعبة)
وهذه الشبهة نادى بها أوائل المستشرقين حين قالوا أن محمدا (صلى الله عليه وسلم) تخلص من الوثنية لكنه لم يستطع أن ينفيها بالكلية؛ فترك الكعبة. وبداية الخلل حول تلك الشبهة نابع من اعتقاد هؤلاء أن المسلمين يعبدون الكعبة أو يقدسونها قداسة ليس بعدها قداسة.  وللرد على تلك الشبهة ينبغي أن نوضح أولا مفهوم الوثنية عند المسلمين فالوثنية هي :(اعتقاد النفع والضر واعتقاد أيٍ من خصائص الألوهية لغير الله تعالى)، ومن المعلوم بداهة عند كل مسلم أن الكعبة لا تنفع ولا تضر، وأن النشء المسلم يتربى من صغره ويحفظ قوله تعالى في سورة قريش (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ)، فالعبادة منصرفة لله عزوجل رب الكعبة ورب كل شيء.
 أما عن قداسة الكعبة وعظمتها فهي مقدسة وعظيمة، لكنها ليست كقداسة المسلم وعظمته عند الله عزوجل؛ فعن عبد الله بن عمر قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك! ما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه وإن نظن به إلا خيرًا) رواه ابن ماجة
فالمسلم أعظم عند الله من الكعبة، وسفْكُ دمه بغير حق أشد حرمة عند الله من هدم الكعبة، فهل يعقل أن يعبد المسلم شيء مع الله عزوجل هذا الشئ أقل منه عظمة وحرمة عند الله ؟
الشبهة الثانية: الطواف حول حجر
وهذه شبهة متعلقة بالشبهة الأولى وتثار بعد التسليم بها فيقول المتشكك أو الملحد سلمنا أن الحج ليس عبادة وثنية، وأن الكعبة لا تعبد من دون الله ولا مع الله، لكن كيف يعقل أن يطوف إنسان حول حجر؟! 
والرد على هذه الشبهة ينقسم إلى شقَّيْنِ:
 الشقُّ الأول متعلق بفعل الطواف والثاني متعلق بالطواف حول الكعبة نفسها
نقول هنا بداية أنه ما من عبادة إسلامية إلا وتربط المسلم بين الدنيا والآخرة، أو الأرض والسماء، وتنقل المسلم من أداء هذه العبادة كونها عبادة يريد بها الثواب إلى عبادة ذات طابع اجتماعي أو فكري أو متعلقة بسنن الله في الكون وهكذا ..
وعبادة الطواف من العبادات المتعلقة بسنن الله عزوجل في الكون؛ فمن المسلَّمِ به والمتفق عليه دوران الأرض حول الشمس ودوران القمر حول الأرض ودوران الكواكب حول الشمس ودوران الالكترون حول النواة وهكذا، وكل هذا من صنع الله عزوجل ومن سننه سبحانه وتعالى في كونه. والطواف رمز عظيم لظاهرة الدوران الشائعة في هذا الكون من الذرة إلي المجرة، وطواف المسلم حول الكعبة عكس عقارب الساعة إنما هو اتفاق لحركة الكون، وما من شيء في الكون إلا ويطوف، قال تعالى في سورة الأنبياء: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)  فالطواف سلوك كوني يشير إلى مظاهر الوحدة والتماثل بين التكاليف الشرعية ونواميس الظواهر الكونية لذا كان شعار المسلم عند الطواف هو النداء الناطق بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك .
أما عن الشق الثاني وهو الطواف حول حجر (الكعبة)
فنقول إن هناك أمر مقرر متعارف عليه بين بني الناس وهو أن الكائن البشري مجبول على الترميز؛ فمثلا علم الدولة إذا نظرنا  له وجدناه قطعة من قماش معلقة على عمود، لكن هذه القطعة من القماش لابد وأن ينص على احترامها وتبجيلها في دساتير البلاد، ويقف أمامها رؤساء وزعماء كل الدول منتصبي القامة لا يحركون ساكنا، ترفع هذه القماشة عاليا عند الانتصارات، ويقبلها الجنود والمواطنين عند الفرح، وتنكس عند المصائب والأحزان، ولم يفكر أحد ذات مرة لماذا كل هذا الاحترام لهذه القطعة من القماش؟! لأن الجواب متعلق بالقاعدة السابقة، وأن الإنسان مجبول علي الترميز، وبالقياس -مع الفارق- فالكعبة هي رمز للمسلمين، هي قبلتهم يتوجهون إليها في الصلاة، ويطوفون حولها، وهي أول بيت وضع للناس في الأرض، فالطواف حول الكعبة لا لكونها عبارة عن حجارة؛ بل لكونها رمزا وقبلة للمسلمين وتعظيما لها وقبل كل هذا امتثالا لأمر الله عز وجل.
الشبهة الثالثة: رمي الجمار
من الشبهات المثارة أيضا حول مناسك الحج أداء رمي الجمار ،كيف يكون هناك عبادة من واجبات الحج يترتب على تركها فدية؟! تتمثل تلك العبادة في رمي حجر كبير بأحجار صغيرة، يكبّر الحاج، ويدعو الله عزوجل، ويسبحه بعد كل رمية.
وهنا نقول إن رمي الجمار امتثالا لأمر النبي صلي الله عليه وسلم وفعله من جهة، ومن جهة أخري تدريب للحاج لمعركته مع الشيطان بعد فراغه من مناسك الحج، وعودته للحياة العملية ولْنضرب لذلك مثالا.. ألا ترى الجندي في الجيش يتدرب ليل نهار علي قنص رسم كرتوني على هيئة شخص ماثل أمامه ويصيح هذا الجندي عند رميه بالرصاص، ويختبئ داخل أبنية وهمية أيضا، وربما يتسلق مبان  ويقفز من أعلاها، كل هذا وأكثر ولا يوجد أمامه عدو حقيقي، والجميع يعرف أن الجندي يفعل هذا فقط استعدادا للمعركة المرتقبة مع العدو قربت هذه المعركة أم بعدت، وهكذا الحاج يتدرب برمي الجمار على المعركة الحقيقة مع عدوه الأبدي وهو الشيطان، ويستحضر حين رميه للجمار إهانة الشيطان وإرغامه وإظهار مخالفته، كما فعل سيدنا إبراهيم فينصرف من حجته بعد رميه للجمار عاقدا عزمه على رمي كل مكائد الشيطان ظاهرا وباطنا معرضا عن الباطل وأهله متحفزا للإقبال على العبادة واتباع الحق وأهله.
نسأل الله عزوجل أن يهدي قلوبنا وعقولنا للحق


التعليقات