حج النبي صلى الله عليه وسلم «كأنك معه»

 رحلة ليست كغيرها، ستـأخذك في جولة في أطهر بقاع الأرض، مع أشرف وأطهر الخلق كلهم، تخيل وعش أجمل اللحظات مع حبيبك ومصطفاك «كأنك معه» في فريضة من أعظم الفرائض "الحج "

وقد وفق الكاتب «د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً» في اختيار عنوان الكتاب (كأنك معه) لنغوص في روحانيات هذا الكتاب في آخر حجة للمصطفى "حجة الوداع" مزيج من المشاعر المختلطة تنتابك عند قراءته.

لنسافر عبر الزمن، ونعيش مع حبيبنا، نهتدي بهديه، ونتخلق بأخلاقه.

"لبس صلى الله عليه وسلم إحرامه، وصلى الظهر، ثم ركب ناقته القصواء، على غاية من الخشوع والخضوع والتعظيم لرب العالمين، متواضعاً لله معظماً لشعائره.

 فإن سألت عن رحله ووطائه، فإن نبيك صلى الله عليه وآله وسلم قد ركب راحلته وعليها رحل رث وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فلما انبعثت به راحلته استقبل القبلة، وقال: اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة، لبيك حجة وعمرة.

وزاد التقوى ذلك خير:

وإن سألت عن متاعه وزاده، فإنه فقط ما تحمله زاملة أبي بكر رضي الله عنه، فكانت زاملته وزاملة أبي بكر واحدة.

ولك أن تتفكر: ما الذي صحبه صلى لله عليه وسلم من متاع الدنيا وزينتها، إذا كان كل ما حمله هو ما قاسمه ظهر زاملة أبي بكر رضي الله عنه؟!

دفع صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة؛ فلما استوت به راحلته على شُرُف البيداء رفع صوته بالذكر والتلبية «الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لبيك عمرة وحجاً، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك إله الحق لبيك» وكان نسكه القرآن، وكذا من سار معه من أصحابه، كأبي بكر وعمر وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف.

"إنها شعيرة ضاربة في عمق الزمن، تتابع فيها أنبياء الله ورسله عليهم السلام، فادع ربك الذي سيرك في طريقهم الذي سلكوه أن يجمعك بهم في نزلهم غداً في الآخرة: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا}(النساء 69)

وفي الطريق مُعلِّماً:

 سار صلى الله عليه وسلم في طريقه معلماً وهادياً، يعلم الناس مناسكهم، ويبصرهم بأمور حجهم، ويجيبهم عن أسئلتهم.

سمع رجلاً يلبي ويقول: لبيك عن شبرمة. فأرسل إليه فدعاه، فقال (ومن شبرمة) قال: أخٍ لي، أو قريب لي....

فقال له الرسول: هل حججت عن نفسك

ــ قال الرجل: لا.

ــ فقال له الرسول: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة.

 "ثم طاف صلى الله عليه وسلم بالبيت سبعة أشواطٍ، مضطبعاً بردائه، وكان رداؤه برداً حضرمياً أخضر، ورمل في الأشواط الثلاثة الأول، ومشى في الأشواط الأربعة بعدها على هينته، وكان من دعائه بين الركنين {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (البقرة:201)

"فلما فرغ من طوافه مشي إلى مقام أبيه إبراهيم عليه السلام، وهو يقرأ {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّىْ} (البقرة:125). فصلى ركعتين، قرأ في الأولى بفاتحة الكتاب، و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وفي الثانية {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فلما سلم ذهب إلى زمزم، فشرب منها، وصب على رأسه، ثم عاد صلى الله عليه وسلم إلى الحجر فقبله، مسحه بيديه، ثم مسح بهما وجهه.

"ثم خرج صلى الله عليه وآله وسلم من باب الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (البقرة:158)

فبدأ بما بدأ الله به. بدأ بالصفا، فرقي عليه، حتى نظر إلى البيت فاستقبله، ورفع يديه الشريفتين، وهو يهتف «لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شىءٍ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» قال ذلك ثلاث مرات ودعا في مقامه.

حتى أتى المروة فرقيها، حتى نظر إلى البيت فاستقبله، وكبر وهلل، ورفع يديه ودعا، وصنع على المروة ما صنع على الصفا.

حتى إذا كان يوم التروية ركب صلى الله عليه وسلم إلى منى ضحى، وأحرم الذين قد حلوا معه من الأبطح مهلين بالحج حين انبعثت بهم رواحلهم، وجعلوا ظهورهم إلى مكة، متوجهين إلى منى، فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، يقصر الرباعية ركعتين، ويصلي كل صلاة في وقتها.

فأفاض صلى الله عليه وآله وسلم إلى عرفات من «طريق ضب» ومعه أصحابه، لهم ضجيج بالذكر، فمنهم الملبي، ومنهم المهل، ومنهم المكبر.

"ثم نزل إلى بطن "وادي عرنة" وهو أرض دمثة فسيحة، يسهل اجتماع الناس عليها وجلوسهم فيها، فاجتمع الناس حوله في بطن الوادي، ونادى «يا أيها الناس أنصتوا؛ فإنكم لعلكم لا تروني بعد عامكم هذا» فدوى صوته صلى الله عليه وسلم بين أهل الموقف، حامداً لله مثنياً عليه.

ثم قال «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا وإن كل شىءٍ من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وإن كل ربا موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون، ولا تظلمون، قضى الله أن لا ربا»

أيها الناس اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ألا واستوصوا بالنساء خيراً؛ فإنما هن عوانٍ عندكم، لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وإن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم: فلا يوطئن فُرُشكم أحداً تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم، فلا تبغوا عليهن سبيلا، وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، ألا وإني فرطكم على الحوض، وأكاثر بكم الأمم، فلا تسودوا وجهي، فأقول يارب، أصحابي؟! فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فاعقلوا أيها الناس واسمعوا قولي، فإني قد بلغت.

"ثم أقبل صلى الله عليه وسلم على هذه الجموع يستشهدهم شهادة عظيمة، شهادة البلاغ والأداء، ويقررهم بجواب السؤال إذا سُئلوا يوم القيامة {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} قائلاً: [وأنتم ُتسألون عني، فما أنتم قائلون؟]

نطقت الجموع بفم واحدٍ: نشهد أنك قد بلغت رسالة ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك. فرفع صلى الله عليه وسلم إصبعه الشريفة إلى السماء، جعل ينكتها بين الناس، وهو يقول: [اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد]

ونحن اليوم بعد ألف وأربعمائة سنة نشهد للرسول صلى الله عليه وسلم بما شهد له أصحابه رضي الله عنهم، أنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه.


التعليقات