الاختيارات التربوية من القصص القرآنية (2)

بسم الله قبل خطِّ القلم، والحمد لله على سابغ النعم، والصلاة والسلام على كامل الأوصاف والشِيَم، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وبعد..

فلا أزال في اقتفاء أثر مواضع القصص القرآني، تلك التي تتعدد فيها الخيارات التفسيرية المعتبرة. وهذا هو المقال الثاني لمعالجة فكرة الاختيارات التربوية في تلك المواضع، والحديث موصول عن أحسن القصص في القرآن الكريم، أستقي من معينها الذي لاينضب، وألتقط من درر بحرها الذي لا يغيض.

 هذا ولا أدّعي - فيما أكتب من الأهداف كل الإحراز- فكل جهد بشريٌ مآله الإعواز، وإني لَمُتَمَثِلٌ قولَ صاحب (الطرّاز)[1]: وإني لمُعْتَرِفٌ حقاً والصدق مَنْجَاة، بأن المسْتَبْضِعَ مُقِلٌ والبضاعة مُزْجَاة، غير إني أرجو السداد فيما اقتطعت واقتطفت، ولا أريد إلا الإصلاح ما استطعت.

 وفي هذا المقال أقف عند قول الله تعالى في سورة يوسف عليه السلام : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) آية 24 حيث تعددت أقوال المفسرين على ثلاثة محاور:

 المحور الأول: نُبُوّةُ يوسف -عليه السلام- حين وقع له هذا الحادث.

 المحور الثاني: (وهمّ بها).

 المحور الثالث: (برهان ربه)

 أما عن المحور الأول: فقد تعددت فيه آراء المفسرين إلى قولين:

 القول الأول: أن يوسف عليه السلام لم يكن نبيّا.

والقول الثاني: أنه كان نبيا حين راودته امرأة العزيز.

وأما المحور الثاني: فأقوالهم في (همّ بها) تعددت إلى خمسة أقوال:

 القول الأول: ان همَّ بها خطرات حديث النفس.

 القول الثاني: أنه همَّ بضربها.

 القول الثالث: أنه تمنَّاها زوجة.

 القول الرابع: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ)  قالوا: أي لم يهُمَ بها، على التقديم والتأخير في الآية، والتقدير: لولا أن رأى برهان ربه همّ بها.

 القول الخامس: حلَّ الهِمْيَان[2] وجلس منها مجلس الخاتن[3].

 وأما المحور الثالث: وهو (برهان ربه)، فقد اختلف المفسرون فيه إلى أربعة أقوال:

 الرأي الأول: أنه رأى صورة يعقوب عليه السلام عاضاً على إصبعه بفمه...

 الثاني: أنه رأى خيال سيِّده عندما دنا من الباب.

 الثالث: أنه رأى آية مكتوبة في سقف البيت أو في الجدار (ولا تقربوا الزنا).

الرابع: أن البرهان كان حجة عقلية ألهمه الله إياها.

 وللمربين في توجيه هذه الآية مذهبان:

 المذهب الأول: أن يوسف عليه السلام في موقف امرأة العزيز كان نَبِيّاً، وأنه لم يَهُمَ بها على الإطلاق؛ لأن هذا لا يليق بنبيّ، مستشهدين بالرأي القائل بالتقديم والتأخير في قوله تعالى (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ)، وأن البرهان الذي رآه وَحْيٌ من الله أو مشاهدة حصلت له.

المذهب الثاني: أن يوسف عليه السلام لم يكن نَبِيّا وقت مراودة امرأة العزيز، وأنّه وقع منه هَمٌّ، إمّا همٌّ وصل إلى حد الجلوس من امرأة العزيز موضع الخاتن، أوهمٌّ بالقَلْبِ أو خاطر بالنفس كالخاطر الذي يمُرُّ على أي إنسان تعرَّض لمثل ما تعرَّض له من المراودة.

وأنَّ البرهان الذي رآه حُجَّةٌ عقلية، قذفها الله في عقله عندما رأى امرأة العزيز تَهُمُّ بتغطية صنم كان عندها. فقال: ما تصنعين؟ قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني في هذه الصورة؛ فقال يوسف عليه السلام: أنا أولى أن أستحي من الله[4].

 والمذهب الأول يصنع حالةً من الفصل الشعوري الوجداني بين موقف سيدنا يوسف -عليه السلام- والمتربي الذي يتلقَّى القيمة؛ فأنَّى للمتربي مقام النبوة الذي حُفِظَ به يوسف حتى يُحْفَظَ به أيضا، وأنَّى له برهانٌ بالمشاهدة كمشاهدة يوسف عليه السلام.

 وتلك المشاركة الوجدانية تتحقق مع المذهب الثاني حيث تتماثل المقدمات في القصة وفي الحياة الواقعية ما يبعث الثقة في نفس المتربي في إمكانية إنتاج النموذج اليوسفي في العفّة مع كل إنسان يستطيع تحقيق المقدمات.

 ألا ترى أن الشباب اليوم تحاصره معظم الأسباب التي حاصرت يوسف عليه السلام؟! وعَدِّدْ معي سِتّةً من هذه الأسباب:

  1. الإتّبَاعُ، فهو مأمور بأمر امرأة العزيز بحكم العبودية، وإن كانت عبودية يوسف -عليه السلام- قسرية، فإن عبودية الشّهوة في زماننا طَوْعِيّة.
  2.  الشِّدَّة، وتُفْهَم من تشديد لام الفعل (غَلَّقت) وإن كان تغليق امرأة العزيز في غفلة عن الأعْيُن، فإن تغليق اليوم أشدُّ وأنكى؛ إذ يكون في حماية قوانين وضْعِيَّة شَرَّعتْ للعُرْي، وقننت الشُّذُوذَ، وحاربت تعاليم الإسلام.
  3. القَصْدُ، أي تَرَصُّدُّ امرأة العزيز للأمر، وقصدها يوسف عليه السلام، ويفهم هذا من لام التعدية في الفعل (هيت لك)، والقصد في زماننا تَعَدَّى الإغراءَ الفردي إلى التخطيط الشيطاني، والدعاية الرخيصة على شتّى الأصعدة ومختلف الوسائل.
  4.  الإلْفُ، فقد كان شاع في أوساطهم أن المرأة تستمتع بعبدها كما يستمتع الرجل بأمته، غيرأنّ تلك العادة في أوساط الطبقة الأرستقراطية، وطامة كبرى أن يتحول هذا الإلف الخص إلفاً مجتمعيا يسري في جسد الجماعة مسرى النّار في الهشيم.
  5. التَكرار، وقالوا أنّهُ أحَدُّ من السِّحْرِ، ومفهومٌ هذا المعنى من الفعل (راودته) فمعناه الإتيان مرّةً بعد مرَّةٍ دون كلل أو ملل. وليت شعري ما أعظم مكر هذا الزمان في المراودة في الواقع الافتراضي والواقع الحياتي وكل شىء، إعلانات خليعة، وأفلام ماجنة، وحفلات صاخبة، وشواطىء للعري، وأراضٍ للحرية المطلقة، وشذوذ علني وهلم جراً.
  6.  طول العهد، فلم تكن تجربة يوسف عليه السلام في مواجهة المراودة فقط إنما كانت في كل فترة مراهقته كلها في جو هذا القصر.

  إن الهدف من القصة القرآنية هو معالجة أمور واقعية في دنيا الناس لا أن تسبح في فضاء من الملائكية والناس في وادٍ من البشرية، فكيف إذاً تكون القدوة؟! يقول صاحب الظلال رحمه الله:  وهو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في المقاومة والضعف ثم الاعتصام بالله في النهاية والنجاة. وقد أشار إلى هذا المعنى ابن عطية - رحمه الله - في تفسيره قائلا: الحكمة في ذلك أن يكون مثلا للمذنبين؛ ليروا أن توبتهم ترجع إلى عفو الله تعالى كما رجعت ممن هو خير منهم، ولم يوبقه القرب من الذنب.

 

لقد خطَّ الاسلام أسلوبا مثاليا في التعامل مع الشهوة، وهذه المثالية تضيع بين تفريط المجتمعات العربية بالتهاون، وإفراط المجتمعات الغربية بالتجاوز. فنرى بعض التربويين ينأى عن الآراء التفسيرية التي تُعَبِّرُ عن الميل البشري الفطري للشهوة فيأخذ بغيرها من الآراء التي لا تجد لها صدىً في حياة المتربين؛ ما يُفْقِدُ القصة القرآنية فاعليتها في معالجة تلك القضية، ويجعلها مجرد (تجريد ذهني)، يعالج القيمة التربوية معالجة نظرية خطابية بحتة خالية من المشاركة الوجدانية مع العفة اليوسفية.

 


[1] كتاب في اللغة.

[2] الرباط الذي يشد السروال على الوسط.

[3] قال به ابن عباس و ذكر القرطبي أن عليه معظم المفسرين وعامتهم.

[4] قال القرطبي رحمه الله: هذا أحسن ما قيل فيه؛ لأن فيه إقامة الدّليل.


التعليقات