نحو وعى إسلامي ... قراءة في غزوة مؤتة

الوقوف على دروس وعبر السيرة النبوية - بوعي وتدبر وقراءتها قراءة جديدة تفسر لنا واقعنا المعاصر وحال أمتنا الإسلامية وما وصلت إليه - عمل ينبغي أن يدركه المتخصصون ويعمل له كل مسلم قادر على تحريك وتصحيح الوعي الإسلامي.

ومن هذا الباب هذه المحاولة البسيطة المتواضعة، عسى أن تقدم جديداً نافعاً للقارئ ولا أبغى من هذا العمل إلا رضا الله عز وجل وأسأل كل من يقرأ ألا ينساني في دعائه وألا يبخل بالتصحيح والمشاركة والتصويب ولا يخلو عمل بشرى من نقصان فالله وحده المنفرد بالكمال.

هذه القراءة ليست سرداً لوقائع الغزوة بقدر ما هي محاولة لاستخلاص بعض المعاني والدروس، ولهذا سأكتفي ببعض اللقطات التي تحقق ما نصبوا إليه من الاستفادة من وقائع الغزوة

 أولاً: خطورة التباطؤ عن نصرة الإسلام في أي ميدان

لما حمى وطيس المعركة وتقدم الجيش زيد بن حارثة أولاً على الترتيب الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبلى بلاءً حسناً لكنه ما لبث أن استشهد في أرض المعركة، اندفع جعفر ابن أبى طالب وهو الثاني في الترتيب وقاتل حتى قطع إرباً دون التخلي عن الراية وأبداً ما تركها تسقط وما فرط فيها وما قال دفعنا رسول الله للقتال دون عدة وعتاد وكان القائد الثاني الذي لقى الله شهيداً وجاء دور عبد الله ابن رواحة.

وهذا ما يحتاج إلى تأمل وترو وتفكر وما تأخر عبد الله إلا لحظات وهو مشدوه لسير المعركة وقوتها وشدة الموقف وصعوبته وكيف أن سابقيه قطعوا أمامه وهي النفس البشرية التي تخشى الردى وهنا تقف العقيدة الصحيحة والتربية النبوية حائلاً بينه وبين التردد أو الخوف وأدرك أن العاقبة هي الجنة فبادر دون وجل أو خوف يخوض غمار المعركة وهو ينشد شعراً خلدته كتب السيرة النبوية.

كل الذي ذكرته ليس المغزى لكن المغزى والمراد الحقيقي، هو ما ذكره الحديث الذي رواه ابن اسحاق: عن رسول الله صل الله عليه وسلم حين قال " لقد رفعوا إلى الجنة.

فيما يرى النائم، على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت، لم هذا، فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد، ثم مضى يا الله!!

إذا كان هذا حال المغوار البطل عبد الله بن رواحة، نعم الثلاثة رفعوا على سرر في الجنة لكن سرير عبد الله تأخر بعض الوقت عن صاحبيه، وهذا في ميدان الوغى والحرب والقتال فما بالنا ونحن نتوانى ونتباطأ عن الأخذ بأسباب النصر، إنها دعوة لأولى الألباب والنهى إياكم أن تظنوا أنه مجرد الانتساب لأهل الحق والعمل للإسلام هو طريق النجاة إنها دعوة للتأمل

ثانياً: قيادة خالد بن الوليد للمعركة

وهذا يحتاج منا إلى وقفة، إذا خلت الساحة فأنت لها لا تقف متفرجاً متواكلاً على غيرك ما عندك من قدرات ومواهب قدمها دون تأخر وما خلق الله بشراً وحرمه من قدرات ومواهب وإمكانيات، وهذا ما فعله خالد القائد المسلم وهو على معرفة ودراية بفنون الحرب وإدارة المعركة فقدم نفسه دون تأخر، إلا أنه بعدما تسلم الراية وهو يدرك عدم تكافئ القوتين، ‏وأن الاستمرار ربما يقضى على جيشه بكل ما فيه من أرواح وعتاد فكان القرار الذي ينم عن حكمة خالد وجرأته، كان قرار الانسحاب بالجيش والفوز بنجاته، وأرى أن الانسحاب هنا لا يقل أهمية عن النصر بل هو نوع من النصر إذا تبعته دراسة قوية لأسباب الضعف.

الانسحاب هنا ليس فشل ولكنه مناورة ناجحة وتكتيك حربي رائع ولهذا فإن خطة الانسحاب هنا في مثل هذه المواقف تكافئ تماماً خطة النصر وتفويت الفرصة على أعداء الإسلام للنيل من المسلمين في ضعفهم وهو ما أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 ثالثاً: عدم تمكين الأعداء من صدور المسلمين

إن دفع المسلمين لحرب غير متكافئة وتمكين الأعداء من صدورهم دون إعداد أمر يخالف الشريعة فما بالك لو كانوا عزل ليس معهم ما يدفعون به المعتدى أو الصائل إلا إذا باغتهم العدو في ديارهم وأعراضهم

رابعاً: ليسوا فرار بل كرار إن شاء الله

كلمات واضحة جلية لكل من له عقل وبصيرة بمآلات الأمور، أن الفرار والانسحاب من المعركة، لابد أن يكون بنية الاستعداد والإعداد والتأهب للكر مرة أخرى، فلا يكون فرار الاستكانة والخوف وتشرذم الصف والتسليم بالأمر الواقع الذي فرضته قوة ما على المسلمين.

والإعداد هنا ليس موقوفاً على السيف فقط، ولا يظن أحد أن في تأخير الإعداد حكمة بل إن تأخيره قد يجلب على المسلمين في عقر دارهم بورما أشد وأنكى،

أقول إن من أهم أنواع الإعداد هو تثبيت العقيدة، وتحفيز الجنود، ورأب الصدع، وتقوية الصف المسلم، ولو تطلب هذا وقتاً لكن البدء فيه هو العذر المقدم إلى الله عز وجل.

 خامساً: دور القيادة

إن من دور القيادة في المعارك الحاسمة هو سرعة اتخاذ القرار لأن التباطؤ في مثل هذه الأوقات ربما يؤدى إلى هلاك عدد كبير من الجيش ولهذا أسرع خالد بن الوليد بالقرار دون تردد، إن أهم أدوار القيادة هي عدم الخجل من الخطأ او الضعف إن وجدا، والإقدام على الدراسة العلمية الواعية بنقاط القوة والضعف عند العدو ويكون العمل والتخطيط والإعداد على هذا الأساس.

ولاتخاذ القرار الصائب لابد من الدراية بما هو موجود على الأرض وبما تملكه أنت في مقابل ما يملكه الآخرون وعلى هذا الأساس يكون القرار التحرك للأمام أو للخلف بدون هذا فإنه التخبط بعينه، وهذا ما فعله خالد بن الوليد ولنا فيه القدوة والمثل،

بدون الاعتراف بمواطن الضعف والوقوف عليها لا سبيل للإصلاح، والاستفادة من كل الطاقات الموجودة هذا هو الدور المهم والأبرز في حق كل قيادة.

والله من وراء القصد.


التعليقات