العلامة سيد سابق الذي يسر علوم الفقه للجماهير المسلمة (1)

مقدمة

بعيدا عن التحزب والتحزب المضاد وبعيدا عن السياسة والكياسة معا وانطلاقا من منهج تاريخ العلم وفلسفته 
فإننا نستطيع أن نقول إن الشيخ سيد سابق (1915 ـ 2000) كان أول نموذج لعلماء الشريعة الإسلامية الذين اتصل عملهم بالمجتمع عن طريق الصحافة، فقد مكنته سلسلة كتاباته الفقهية من الوصول إلى جمهور عريض من القراء لم يقف عند حدود الجماعة التي مارس فيها نشاطه المنهجي والممنهج في تعريف أعضائها بالفقه والإفتاء 
وإنما جعله هذا التواصل بمثابة مرجع للقراء الذين يبحثون عن إجابات مباشرة على أسئلتهم الفقهية بعيداً عما يتم تناقله بالتلقين والتعلم (المدرسي) من صور أداء العبادات على الوجه الأمثل على سبيل المثال، 
•┈•✿????❁????✿•┈•
https://chat.whatsapp.com/JLRIRCl7zWw3e1SXaITFdB 
•┈•✿????❁????✿•┈•

ومن ثم فقد جعله هذا التواصل أيضا بمثابة مرجع للقراء الذين يبحثون عن إجابات مباشرة على أسئلتهم الفقهية بعيداً عن المذهبية، وما قد نسميه مذهبية المذهبية نقصد بها تلك الطريقة المعهودة في العلم والمتمثلة في النقل الأمين عن كتاب من كتب المذاهب يتعلق به ويرتبط به من درس عليه أو درس فيه من العلماء، كما هو معروف مثلا عند فقهاء الحنفية المعاصرين من النقل عن ابن عابدين،
وهو أسلوب مطروق ومأمون يجعل العالم يعتبر الكتاب الذي ارتبط به في منزلة المرجع الوحيد للإفتاء في كل ما يعرض عليه، لكن الشيخ سيد سابق جاء في عصر ازدهار توظيف المطبعة لخدمة الدعوة الإسلامية، وهو ما تم من خلال التنامي في توظيف الصحافة في المقام الأول قبل عصر الكتاب الجديد، وهكذا فقد كانت كتابات الشيخ سيد سابق المبكرة في مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية بمثابة الباب الذي فتح اتصال الجمهور بعلمه وبأسلوبه المباشر المبسط المعتمد على كتب الفقه المرتبطة بالحديث.

نحن نعلم أن الدراسة الأزهرية اختارت منذ زمن بعيد تقرير دراسة ذكية تعمد إلى تدريس مقررات الحديث النبوي من خلال التبويب الذي تأخذ به كتب الفقه، أي أن تبدأ بالطهارة ثم الصلاة، وهكذا..

وفي الحقيقة فإن الشيخ سيد سابق لم يخرج عن هذا الترتيب الكلاسيكي فيما كان قد بدأ يقدمه من الفقه، بل إنه بدأ بالفعل يفقه الطهارة، وأخذ يعرض الأحكام الفقهية بطريقة الانتقاء الذكي مما كان قد تم انتقاؤه من قبل، أي أنه لم يستحدث شيئا جديداً إلا طريقة العرض، وقد تأثر في أسلوبه (سواء في ذلك إن كان قد درى بهذا أو لم يدر وسواء في ذلك إن كان قد أشار أو لم يشر ) بما كان الشيخ محمد مصطفى المراغي ومن قبله الشيخ محمد عبده قد فعلاه في الأخذ في الفتوى والتشريع من أكثر من مذهب، ومن ثم فقد جاءت كتابات الشيخ سيد سابق أولا (وكتبه ثانيا ) غير مرتبطة بمذهب واحد وإن لم تكن مستحدثة لمذهب جديد.

وليس من شك في أن هذا الأسلوب الذي انتهجه الشيخ سيد سابق لا يرضى النزعة الفلسفية ولا المذهبية بل إن بعض من يريدون تحكيم المنطق أو الفلسفة في مثل هذا الأسلوب لا يمانعون في وصفه بالتلفيق اعتماداً على أنه لا يلتزم بمنطق واحد في جميع المسائل التي يعرضها، ومع أننا الآن وبحكم الوعي الإيماني نفهم في يسر أن الفقه أعلى وأغلى من أن يخضع للفلسفة فإن المتأثرين بالمنهج الفلسفي لا يستسيغون مثل هذا المنطق الايماني وهو منطق علمي حتى إن لم يعرف بعض دارسي الفلاسفة هذا.
 
ومع هذا كله أو وبهذا كله فإن الأستاذ سيد سابق لقيّ من قبول المسلمين (ولا نقول القراء فحسب) قدراً كان كافيا جداً لا لاستمرار أسلوبه فحسب بل ولانتعاش هذا الأسلوب وإقبال الناس عليه، وقد تطورت مقارباته للفقه التي اتخذت عنوان "فقه السنة" تطوراً ذكيا مكنها من أن تستوعب الفقه كله على مدى سنوات قصيرة انتهى الشيخ سيد سابق فيها من كتابه ذي الأجزاء الأربعة عشر الصغيرة التي أمكن بعد هذا تجميعها في مجلدات كبيرة، وقد جاهر الشيخ نفسه بأنه اعتمد على الكتب التي كانت مقررة في الأزهر بالفعل وأشهرها الكتابان المعروفان "سبل السلام" الذي هو شرح بلوغ المرام"، و"نيل الأوطار "الذي هو شرح "منتقى الأخيار" وكذلك أخذ الشيخ سيد سابق عن المغني لابن قدامة، وعن زاد المعاد لابن القيم.

وهكذا فإن نجاح الشيخ سيد سابق تمثل في ثلاثة محاور عملية  

أولها

أنه وإن لم ينكر الاستناد إلى أدلة الكتاب والسنة والإجماع، فقد خرج بما دونه من أحكام الفقه على حدود المذهبية،

وثانيها 

أنه نجح في تقديم الفقه للجماهير بعيدًا عن المصطلحات الفقهية العلمية، وعن التعليلات الأصولية،

وثالثها

أنه نجح في مزج الأحكام بالحكمة فقد كان حريصا بذكاء على ذكر الحكمة من التكليف، اقتداء بالقرآن في تعليل الأحكام. 

وقد كانت النتيجة الطبيعية لاتباع هذا الأسلوب في مقاربة قضايا الفقه أن بدا الشيخ سيد سابق أميل إلى التسهيل والتيسير على الناس، وهو الطريق الذي خطا فيه الشيخ القرضاوي خطوات تالية من الترخيص فيما يقبل الترخيص. 

وكان من مظاهر التسهيل الذي اتبعه في منهجه الذي ارتضاه في كتابة الفقه 
البعد عن ذكر الخلاف إلا ما لا بد منه، فيذكر الأقوال في المسألة، ويختار الراجح أو الأرجح في الغالب، وأحيانًا يترك الأمر دون أن يرجح رأيًا، حيث لم يتضح له الراجح، أو تكافأت عنده الأقوال والأدلة، فيرى من الأمانة أن يدع الأمر للقارئ يتحمل مسؤولية اختياره، أو يسأل عالمًا آخر، وهذا ما لا يسع العالم غيره.

إيمانه بضرورة الايمان للحياة 

ينبغي لنا أن ننبه إلى أن الشيخ سيد سابق لم يكن في فقهه أكاديميا صرفا مرتبط بعلم الفقه من حيث هو علم فحسب لكنه كان على الدوام واعيا لضرورة الإيمان: "إن قيام الحياة المادية، دون أن يكون لها سند من روح، مدمر لنفسية الإنسان، وفى تدمير نفسيته تدمير للحياة المادية والحياة الروحية معًا كتاب "إسلامنا

نشأته

اسمه بالكامل السيد سابق محمد التهامي، وقد ولد في قرية اسطنها بمركز الباجور محافظة المنوفية في 2 يناير 1915 وتلقى تعيما دينيا تقليديا بدأ في الكتاب وواصله حتى حصل على الشهادة العالية ثم الشهادة العالمية من كلية الشريعة ١٩٤٧.

بدايته في الجمعية الشرعية

انضم الشيخ سيد سابق في بداية حياته إلى الجمعية الشرعية على يد مؤسسها الشيخ محمود خطاب وتزامل مع خليفته الشيخ عبد اللطيف مشتهري رحمه الله، فتشرَّب محبة السنة وكان لذكائه أثرٌ في نضجه المبكِّر وتفوُّقه على أقرانه، حتى برع في دراسة الفقه واستيعاب مسائله، وما إن لمس فيه شيخه تفوقًا حتى كلَّفه بإعداد دروس مبسطة في الفقه وتدريسها لأقرانه، وكان للشيخ محمود خطاب السبكي أثرٌ عظيم في شخصيته وطريقة تفكيره، ومن ذلك ما يحكيه في بداية حرب فلسطين يقول: وقد كنا في ريعان شبابنا أخذني الحماس أمام الشيخ السبكي في أحد دروسه فقلت له: ما زلتَ تحدثنا عن الأخلاق والآداب! أين الجهاد! قال: فأمرني الشيخ بالجلوس، فردَّدت: حتى متى نجلس؟ قال: يا بني إذا كنت لا تصبر على التأدُّب أمام العالِم فكيف تصبر على الجهاد في سبيل الله؟ قال: فهزتني الكلمة جدًّا، وظل أثرها في حياتي حتى يومنا هذا.

حرب فلسطين

عرف الشيخ سيد سابق مجاهدًا عسكريًّا في حرب فلسطين عام 1948، وقد تصدَّرت صورته مجلة "الإخوان المسلمين" وهو يتدرَّب على السلاح في معسكر التدريب المعدّ للمجاهدين.

اتهامه في قضية مقتل النقراشي

بدأ تداول اسم الشيخ سيد سابق على نطاق واسع في الصحافة مع محاكمات عبد المجيد حسن قاتل النقراشي وتردد في الصحف القول بأن الشيخ سيد سابق هو من أفتى بقتل النقراشي باشا، ومع هذا فإن المحكمة برأته، وأخلت سبيله، لكن الروايات الشائعة في الجهات المناوئة للإخوان تردف البراءة بالقول بأن القاضي نبهه شفاهة إلى أنه متورط.

وكانت الصحف تلقب الشيخ في ذلك الوقت بـمفتي الدماء وعلى كل الأحوال فإن الشيخ سيد سابق سرعان ما اعتقل في 1949، ونقل إلى معتقل الطور في جنوب سيناء، وفي المعتقل مارس الشيخ سيد سابق الإمامة والتدريس فكان يعقد حلقات في الفقه بعد صلاة الفجر وقراءة الأدعية المأثورة مؤسسا مدرسة حقيقية ممن استوعبوا فكره وطريقته في مقاربة المسائل الفقهية.


التعليقات