طب ماالنبي مات !

تزاحمت في الأيام الأخيرة أخبار الرحيل عن دنيانا ، ربما بدأ التصعيد من رحيل أيمن عبد الغني مرورا باللواء عبد الحميد عمران ، وكانت الطاحنة أمس برحيل المخرج الفذ حاتم علي .. هناك كثيرون من الأحباب الذين أحزننا رحيلهم جدا ، ولكن كابوس الحزن ينتابني بشكل شخصي وأعتقد ان معظم الأحرار مثلي ، فخبر رحيل من كنا نؤمّل فيهم خيرا ليكونوا عصب حركة الأمة نحو فجرها الجديد ونهضتها المرجوة هو الذي يتغلغل إلى القلب .

.. أيمن عبد الغني كان يمثل الجيل التالي لجيل مرسي والشاطر والعريان والكتاتني فكان وجود مثله بمثل ذكائه وحيويته وفهمه وعلاقاته المبشرة بمستقبل مشحون خيرا ، فكيف بقلبك المرهق أصلا بمصاب الإنقلاب وحواشيه .. وعمران كان يمثل أستاذية الرؤية الاستراتيجية في مجال العلاقات العسكرية والخارجية ، ورغم كبر سنه إلا أنني كنت ألمس فيه تألقا حيويا لدرجة أن تقنع أن بركة ربك يمكن أن تدرك عبدا يشيخ جسده لكن عقله ينضح حيوية ووعيا مثل صديقي سيد سالم وهو ألماني من أصل مصري يكاد سنه يتجاوز الخامسة والثمانين لكنه برحمة ربي وبركته يناقشني في مسألة ما فيظل يبحر يُمنة ويُسرة ثم يعود إلى ذات النقطة التي غادر عندها ليستوفيها ، ثم فجعني بالأمس وجعلني اكاد أنزف ذرات الروح حين علمت برحيل حاتم علي ، وحاتم في أواخر الخمسينات لكن اعماله نادرة فذة ، وربما يلحظ القارئ المتابع أنني كنت أكتب قبل أيام في اواخر سلسلة ( حتى أرحل فارغا ) عن الإخراج السينمائي والقيمة التي يمثلها أماجد هذا الحقل والثمار التي تجنيها الأمة من أعمالهم في اتجاهات الوعي العميق كطاقة للصبر على المقاومة ، فجاء حاتم ليقصم حزن مغادرته ظهورنا فهو من الإنسانية الغالية الكُلفة والتي لاتتكرر بسهولة ، لقد كان مصطفى العقاد غاليا جداً ، لكن حاتم كان نادراً جداً وغاليا جدا وتكراره صعب جدا ، واسمه ذكرني بصنو روحي الدكتور حاتم سلام المدرس بطب قناة السويس والذي توفي كالجياد قائما في قاعة الدرس وأمام طلابه ، وكنت حاضرا مناقشة رسالته لنيل درجة الدكتوراه فقال له البروفسير الفرنسي الذي حضر إلى السويد للمناقشة ( لم آت لأختبر قوة علمك فهذا أدركته من أول قراءة لرسالتك التي حفزتني لآتي إليك اتعلم منك وأستوضح ماجهلت .

.. تحتاج حيال هذه الأزمات الأليمة إلى يد تمسح على رأسك ، فوجدت هذه اليد في الحاج سالم شُكر ، والحاج سالم توفي عام ١٩٧٣ ولكن كلمته التي قالها لقافلة من الشباب في قريتنا عندما سمعوا بوفاة جمال عبناصر فمضوا في طرقات القرية يصرخون ويبكون فسألهم الرجل عن مصيبتهم المبكية فلما أجابوه أن الزعيم مات أجابهم بتلقائية رائعة ( طب وإيه يعني ، طب ماالنبي مات ) فنظر الشباب لبعضهم ثم انفجروا ضاحكين ساخرين من هذا الذي لايعرف قدر الزعيم ، ثم وفي إحدى زياراتي للقرية وأنا في الثامنة عشرة من عمري حكي لي ثلاثة منهم هذه الحكاية من قبيل التندر الساخر .

.. فهل يدري عم سالم شكر الممدد في قبره منذ سبعة وأربعين سنة في زاوية من إحدى قرى المنوفية أن كلمته االتي قالها وربما لم يكن يُلقي لها بالا أتت بيده ليمسح بها على رأس المسكين الذي ارتدى معطفه الثقيل ليسير في الهواء المثلج بضاحية من مدينة فولدا الألمانية ليهدأ روعه بتلك الكلمة ( طب ماالنبي مات ) ، سيظل حبيبنا الأغلى سيدي وسيدكم وسيد ولد آدم يمثل رحيله عزاءً غاليا لكل مؤمن أحبه بحب ربه ، ويظل خبره صلى الله عليه وسلم عمدة أخبار الكلمة التي ترفع صاحبها إلى أعلى عليين ، أو تهوي به سبعين خريفا في جهنم الظالمين والمجرمين الذين ربما قتلوا حاتما ليتخلصوا من أخطار آثار أعماله على كل خانع جبان يسقط في بئر التطبيع والخيانة كما تسقط الهوام في حقارات الظلام .

.. أود التنويه أنني أرى أن ( لايُلقي لها بالا ) لا تنفي القصد ، فالقصد هو ديدن كل عاقل ، ولكنه لايلقي بالا إلى تعاظم أثر كلمته سلبا او إيجابا ، مثلما قال العم سالم كلمته ولم يدر أنها وصلت إليّ وأسهمت في تشكيل وعييِّ وأنني سأكتبها اليوم ليقرأها اطيب الناس وأخيارهم


التعليقات