التغيير الثوري أم الإصلاح التدريجي ... قراءة في فقه التغيير

الحمد لله، والصلاة والسلام علي سيدنا رسول الله، وعلى  آله وصحبه ومن والاه،

أما بعد،

فهذه ورقة تعرض لمنهج الإصلاح والتغيير في الفقه الإسلامي، تستهدي منهج السماء، وتستضيئ بالهدي النبوة، تقرأ التاريخ، وتبصر الحاضر، وتستفيد من التجارب، وتستشرف المستقبل.

وقد جاءت في تمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة تمثل خلاصة ما انتهت إليه الدراسة.

وما جاء في الهوامش توثيقا للنقول يمثل المراجع التي اعتمدتها الدراسة.

والله نسأل التوفيق والسداد

تمهيد

لا أدّعي شيئا جديدا إذا قررت أن انتهاج العنف يعد أكبر هدية تقدمها جماعات العنف للغرب الموتور الحانق على الإسلام والمسلمين، إن لم يكن له دور أصلا في وجوده ورعايته، فيندد بالعنف ويدينه في العلن، وفي الوقت ذاته يدعمه في السر، ويريد له أن يزيد ويستمر.

كما أن انتهاج العنف والصدام المسلح سبيلا للتغيير في البلاد العربية في واقعنا المعاصر مثل: جماعة التكفير والجماعة الإسلامية والسلفية الجهادية وتنظيم القاعدة، والتي اتخذت أساليب في المصادمة تتفق مع إمكاناتها من نحو اغتيال المسؤولين والشخصيات الكبيرة، والتخريب للمنشآت الحكومية وضرب السياح، هذا النهج لم يؤد إلي نتيجة أو تغيير حكومات، بل ترتب عليه شرور ومفاشد، وأخطاء كبيرة، وأودي بحياة كثيرين من المدنيين من الأطفال والنساء والرجال وكذا أودي بحياة كثيرين من جماعات العنف والأجهزة الأمنية على  السواء. غاية ما حققوه قتل رئيس أو وزير أو مدير أمن أو نحو ذلك، وكثيرا ما يأتي بدل الذاهب من هو أشد منه وأنكي وأقسي في التعامل مع الإسلاميين حتي يقول القائل

رب يوم بكيتُ منه، فلما  *** صرتُ في غيره بكيتُ عليه ([1] ).

والعنف ضد الرفق، وفي الحديث: " ما كان الرفق في شيء إلا زانه " ([2] ).

و عن عائشة، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «يا عائشة» إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على  الرفق ما لا يعطي على  العنف، وما لا يعطي على  ما سواه " ([3] ).

والعنف هو الشدة والمشقة، وهو ينافي الدعوة إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة المأمور بها شرعا في الدعوة إلي سبيل الله " ادْعُ إِلَي سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " ([4] ).

وقد قيل: كل ما في الرفق من الخير ففي العنف من الشر مثله.

ومن الأقوال الحكيمة لصاحب التجربة الهندي المهاتما غاندى":  إن اللاعنف هو أعظم قوة متوفرة للبشرية، إنها أقوي من أقوي سلاح دمار صنعته براعة الإنسان ".

وحين نتحدث عن منهج الإصلاح والتغيير يتصدر الحديث كبري الحركات الإسلامية  الإصلاحية في العالمين العربي والإسلامي، وهي جماعة الإخوان المسلمين، إذ إنها تمثل منهجا في الإصلاح والتغيير حريا بالدراسة والتحليل والنقد، ومن ثم سيكون حديثنا عنها كثيرا.

 

وفي تقديري أن منهجهم في التغيير أكسبهم قوة على  الأرض، وانتشارا في الآفاق، وأهلهم للاستخلاف.

 كما يبدو لي أن قوة جماعة الإخوان باعتبارها أكبر فصيل إسلامي في الوطنين العربي والإسلامي ليست نابعة من عدد المنتمين لهيكلها التنظيمي، وإن كان العدد عاملا من عوامل القوة بلا شك، ولكن مواطن القوة لديهم فيما أراه - تكمن في منهجهم الوسطى، واعتدالهم الفكري، ومشروعهم الحضاري للنهضة، وتغلغلهم في نسيج المجتمع ومكوناته، ونضج سلوكهم الاجتماعي، وخطابهم العصري المتجدد، وانفتاحهم على  المستجدات الحياتية، ومعرفتهم للواقع، وقربهم من الناس في الشارع، ووقوفهم على  حاجاتهم، والعمل على  تقديم خدمات لهم في حدود إمكاناتهم، الأمر الذي يرونه واجبا دينيا والتزاما أخلاقيا، بعيدا عن أي توظيف سياسي يحلو للبعض أن يروج له كذبا وبهتانا، وهذا ما كتب لهم الانتشار والقبول، وإلا فمجال عمل الخير ونفع الناس مفتوح وأدواته متاحة للجميع فليتقدم من يريد الخير ونفع الناس وليوظف عمله كيف يشاء، والأمور بمقاصدها، والتشكيك في النوايا التي لا يعلمها إلا الله أمر مرفوض شرعا.

 

هذه المعطيات الدينية والأخلاقية والفكرية والاجتماعية مثلت نسيجا حضاريا جاذبا جعل الكثيرين من الناس يلتفون حولهم، ويقتنعون بمنهجهم، ويؤمنون بسمو غايتهم، ويتعاطفون مع فكرتهم، مما شكل منهم قوة كبيرة محليا وعربيا من مختلف شرائح المجتمع، حتي وصفهم البعض بأنهم أكبر قوة سياسية فعالة في العالم العربي ([5] ).

وهذه هي المعادلة التي حيرت الغرب في التعامل مع الإخوان، فهم يملكون أمرين:

الأول: القوة المجتمعية والشعبية التي تجبر الغرب في نهاية المطاف على  التعامل معهم.

الثاني: الانفتاح والعقل والحكمة التي تجبر الغرب أيضا على  التعامل معهم.

 

ولهذا فلن يستطيع الغرب أن يتجاوز الإخوان على  الأرض - إلا أن يشاء الله - كما أن إقصاءهم تماما عن الساحة تماما أصبح ضربا من الخيال، وحلما بعيد المنال.

ويتخذ الإخوان الصبر والنفس الطويل عدة في صراعهم مع أعداء الأمة في الداخل والخارج.

ولأن حركة الإخوان المسلمين تنبذ العنف منذ نشأتها، وتعلم الأنظمة المتعاقبة ذلك جيدا، فقد كانت الأجهزة الأمنية في نظام المخلوع مبارك تستحث الإخوان على  إصدار البيانات التي تدين العنف، وتندد بحوادث قتل السائحين، ولأن الإخوان ينطلقون في مواقفهم من دين، ويصدرون في تقييمهم للأمور عن خلق، فقد كانت البيانات تصدر في غاية الإنصاف والاتزان، فتندد بالعنف، وتدين قتل السائحين المستأمنين لأنه مرفوض شرعا، ولكنها في الوقت ذاته كانت تدين عنف الدولة، وتهيب بالظالم أن يكف يديه عن المظلوم، وأن يرفع الجلاد سوطه عن الضحية، وتدعو إلي إزالة أسباب العنف، وفتح أبواب الحريات، وتنصح بأن العلاج الأمني مع

جماعات العنف، والفكر المتشدد ليس حلا، ولن يؤدي إلي استقرار، وأن الحوار هو الأصل في معالجة اللوثات الفكرية، والشطحات العقلية.

 

ومن ثم كانت البيانات التي تصدر بمثل هذا التوازن والتعقل والإنصاف والطرح الموضوعي لآفاق الحل، تسوء الأجهزة الأمنية أكثر مما تسرها.

 

وقد كان للإخوان في هذا النهج سلف وأسوة في إمام الهدي رابع الخلفاء الراشدين، علي بن أبي طالب، حين ظهرت مشكلة الخوارج في عهده، ورأي أن الآفة الكبري التي أتوا منها، ووقعوا فيها، هي الآفة الفكرية، فآثر أن يسلك معهم سبيل الحوار، وينتهج معهم نهج المحاججة والإقناع، فأرسل إليهم عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، فحاورهم ونافشهم، وفند شبهاتهم، فرجع منهم أربعة آلاف.

 

ولما شارك الإخوان في مؤتمر عن العنف والإرهاب بدار الحكمة في التسعينيات ضمن نخبة كبيرة من رجال الفكر والسياسة في مصر، وشارك فيه مساعد وزير الداخلية حينها اللواء بهاء الدين إبراهيم، والأستاذ مصطفي مشهور، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والدكتور عصام العريان، والبابا شنودة وآخرون، وكان يدير المؤتمر الدكتور أحمد كمال أبو المجد، جاءت كلمات الإخوان لتدين العنف والإرهاب بكل صوره وأشكاله، سواء كان من الأفراد أو الجماعات، أو الحكومات، واقترح البعض على  الإخوان كما أصدروا كتاب " دعاة لا قضاة " الذي يعد وثيقة للجماعة لرفض فكر التكفير، أن يصدروا وثيقة أخري مماثلة لرفض العنف والإرهاب بكل صوره مع تحديد دلالة المصطلحات

 

 

 

المبحث الأول: إلي أي أبواب الفقه تنتسب المسألة؟

تعتبر طرق ومناهج التغيير في المجتمعات والتمكن من سدة الحكم من القضايا الاجتهادية التي تدخل في باب السياسة الشرعية، وتندرج تحت باب الفقه السياسي الإسلامي، دونما أن يكون هناك طريق واحدة واجبة الاتباع، أو وسيلة واحدة متعينة السلوك لا محيد عنها، بل تتعدد الوسائل وتتنوع الطرق، وإن كانت بعض القرائن والتجارب تعين علي اختيار أصوب السبل، وأصح الآراء، وأنسب الخيارات، في ضوء الاهتداء والاقتداء بطريقة البناء الأول للدولة الإسلامية في عصر النبوة  في الأسس والمرتكزات والخطوط العامة، مع مراعاة الزمان والمكان والظروف المحيطة والمناخ الإقليمي والدولي، وكما قال أبو حامد الغزالي: أكثر مسائل الإمامة وأحكامها مسائل فقهية يحكم فيها بموجب الرأي الأغلب ([6] ). 

 ويعتمد هذا الفقه في مجمله علي أصول عامة وقواعد كلية دون أن تكون هناك نصوص جزئية تفصيلية كثيرة توضح الحكم في كل حادثة بصورة مباشرة.

 والذين يجتهدون في باب السياسة الشرعية، يتغيون المصلحة العامة ويتوخون النفع العام، في ضوء عدة أصول عامة وهي مقاصد الشريعة التي ترمي إلي الحفاظ علي ما اصطلح عليه بالكليات الخمس وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وكذا في ضوء  قواعد فقهية منها: تصرف الإمام علي الرعية منوط بالمصلحة، والأمور بمقاصدها، ودرء المفسدة مقدم علي جلب المصلحة، وارتكاب أخف الضررين، وتفويت أعظم الشرين، وتحصيل أعلي المصلحتين وتفويت أدناهما، والفتوي تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، وفقه الموازنات أي: الموازنة بين المصالح والمفاسد، وبين المصالح بعضها وبعض، وبين المفاسد بعضها وبعض، والنظر إلي المصائر والعواقب أو ما يعرف بفقه المآلات، وترتيب الأولويات في مسيرة الإصلاح والتغيير في ضوء ما يعرف بفقه الأولويات والتدرج، وسد الذرائع وفتحها، وغير ذلك من القواعد.

 

وهذه القواعد لا غنى عنها لتنزيل النص الشرعي علي الواقع، إذ الواقع قد يحول دون تقبل تنزيل النص الشرعي عليه، ويكون من وراء التطبيق في هذه الحالة نقيض المصلحة، وعكس المقصد المراد، وإذا لم يراع هذا يكون من وراء التطبيق ضرر وفساد من حيث يريد البعض النفع  والإصلاح، وهو ما يعرف لدي الأصوليين بتحقيق المناط.

جاء في وثيقة العلماء: (كلُّ أحكام الدين التي تثبت بأدلّتها تكون من حيث المبدأ واجبة التنفيذ في واقع الحياة الفردية والجماعية؛ إذ هي ما شرعت إلا لتصلح الحياة، غير أنّ بعضها قد تحفّ بالواقع الذي تُنزّل فيه أحوال وملابسات تجعله لا يحقّق المقصد الذي من أجله شرع، فتؤخذ بعين الاعتبار إذن الذرائع والمآلات، ويُصار

بتلك الأحكام إلي التأجيل أو التعليق أو التدريج، مع بقائها علي مشروعيتها،

حتى ترتفع تلك الأحوال والملابسات، والتنفيذ الآلي لأحكام الدين دون فقه في

التنزيل قد تنشأ عنه مفاسد جمّة وقد جاء الدين لتحقيق مصالح العباد. (  ([7] )

 

تقدير وسيلة التغيير موكول لأهل كل زمان ومكان حسب ظروفهم وإمكاناتهم:

 

 وإذا كان اختيار منهج تغيير الحكام الظالمين والمتغلبين من مسائل السياسة الشرعية ؛ فالمسألة إذن اجتهادية، ويظل أمر استعمال الوسيلة المناسبة لتغيير المنكر الأكبر المتمثل في تغيير الحكام الظالمين في كل زمان موكولا لأهله، وموضع تقدير واجتهاد أهل الشوري والتأثير في كل عصر، يقدرون المسألة ويرتبون عليها التصرف الأمثل لمعالجتها وفقا لاعتبارات كثيرة منها حالة قوة الأمة واصطفافها خلف علمائها وذوي الرأي فيها، وقدرتها علي عزل المتغلب المستبد المتسلط دون أن يفضي ذلك إلي مفسدة أعظم من مفسدة بقائه، لأن القضية اجتهادية يتغير فيها الحكم تبعا لتغير الظروف والأوضاع والأزمان، ولذا كانت من مسائل السياسة الشرعية، وكذلك يعتبر في ذلك أيضا: قوة وقدرة الحاكم نفسه وتحصنه بقواته الأمنية والعسكرية ومدي مطاوعتها له، وجرأتها علي سفك الدم المحرم، وإجهاض أي تحركات تجاه عزله وخلعه، وهو ما رأيناه واضحا في حالتنا المصرية وغيرها.

 

أولا: وسائل القوة المعاصرة للتغيير: 

 

تعددت الطرق لتغيير الحكم بالقوة في عالمنا المعاصر، منها المقبول ومنها غير المقبول، ومنها ما يستند إلي قاعدة شعبية ومنها ما يحتكم إلي منطق القوة فقط، ومنها ما يمثل حاجة شعبية، ومنها ما يعد انقلابا علي إرادة الشعوب، ومنها ما هو موضع ترحيب في الشريعة ومنها ما هو محل رفض وإنكار.

ويحسن بنا أن نقف على وسائل القوة المعاصرة في التغيير ثم يكون لنا إزاءها كلمة.

فالمرصود في عالمنا المعاصر من وسائل القوة في التغيير للوصول إلى الحكم ثلاثة أمور: 

التغيير من خلال عناصر تمتلك القوة داخل القوات المسلحة،  يحدثون انقلابات علي الأنظمة الحاكمة سواء كانت صالحة أو فاسدة، عادلة أو جائرة. 

التغيير عن طريق المجالس النيابية، التي تخول لها الدساتير سلطتي التشريع والمحاسبة والمراقبة والمساءلة، ومنح الثقة للحكومات وحجبها، وإحالة الحكام والتنفيذيين للمحاكمة، وامتلاكهم لإجراءات عزل الحكام متي كان العزل في حقهم واجبا. 

التغيير عن طريق قوة المقاومة الشعبية والجماهيرية ، وخروج الجماهير بأعداد هادرة لإزاحة ما لا تراه يعمل من أجلها، وتفرض إرادتها ([8] ).

والتغيير عبر الوسيلتين الأوليين مستبعد في حالتنا المصرية بل والعربية لأن الحكام جميعا يتبعون شيطانا واحدا إلا من رحم الله -، ولم يبق إلا الطريق الثالث، وهو اللجوء إلي قوة الجماهير والمقاومة الشعبية السلمية بأعداد هادرة.

 

ثانيا: أسئلة مطروحة ومشروعة في هذا الصدد:

والأسئلة التي تطرح نفسها في هذا الصدد حتي تكون الإجابة عنها توطئة ومدخلا وتمهيدا صحيحا لتناول القضية، كما أنها تمثل مقدمات صحيحة حتي نبني عليها، وتعطي تصورا محكما ينير الفكر في اتخاذ الخطوات القادمة، وهي:

أولا: هل لدي الحركة الإسلامية رجال بالقوات المسلحة يؤمنون بأن السلطة يجب أن تكون بيد المدنيين وأن الجيش يجب أن يبتعد عن الاشتغال بالسياسة ويتفرغ لمهمته الأساسية وهي حماية الحدود والثغور، ويستطيعوا أن ينفذوا ذلك بالقوة، ويقوموا بالتغيير المنشود ؟

الإجابة طبعا: "لا "، لأنه لو كان لها ذلك لما حدث لأهلها ما كان.

سؤال آخر: هل تستطيع الحركة الإسلامية العمل علي إيجاد هذه الشريحة داخل القوات المسلحة ولو علي المدي البعيد ؟ لكي يناصروا ويؤيدوا حق الشعوب في أن يحكمها من تختاره وتريده ؟

 أعتقد أن هذا من الصعوبة بمكان في ضوء الواقع والتجارب علي مدار أكثر من ثمانين سنة.

ثانيا: هل طرقت الحركة الإسلامية أبواب التغيير الدستوري والقانوني عبر وسائل التغيير القانونية مثل المجالس النيابية المتاحة ( مجلس الشعب والشوري والمجالس المحلية ) أم لا ؟ وإذا كانت الإجابة ب "نعم"، فماذا كانت النتيجة ؟

الإجابة بالطيع: " نعم "، والنتيجة أن التزوير المدعوم بالقوة هو الحل الناجع لدي الأنظمة لتغيير المعادلة، وتمكين أغلبية مريحة لأنصارها داخل هذه المجالس حتي تتمكن من تحقيق ما تريد وفق الدستور والقانون، وتضفي الشرعية علي تجاوزاتها وانتهاكاتها. وما انتخابات 2010م باعتبارها أقرب مثال منا ببعيد، وكذلك مواقف برلمان ما بعد الانقلاب المخزية في كثير من القضايا، التي تنفذ ما يملي عليها، وأهمها إصدار صك المشروعية في التنازل عن تيران وصنافير.

ثالثا: هل انتهجت الحركة الإسلامية التغيير الثوري الشعبي فيما سمي بثورة يناير أو ثورات الربيع العربي أم لا ؟ وماذا كانت النتيجة ؟

 نعم انتهجت، والنتيجة هي التفاف العسكر ومن يدعمونهم إقليميا ودوليا علي إرادة الشعوب، والانقضاض علي القوي المحركة للثورات بغية استئصالها، والانقلاب علي إرادة الشعوب فيما اختارت، وأعادت الأمر لها بالقوة.

 لكن وقبل أن يسارع البعض بالسؤال: ماذا بقي فعله إذا كانت أبواب التغيير كلها قد طرقت ولا فائدة ؟ أسارع أنا بالسؤال فأقول: هل يعني هذا نهاية المطاف وآخر الجولات ؟؟

لا.. لا يعني هذا نهاية المطاف ولا آخر الجولات، وتاريخ الثورات يشهد بأن الانتقال من حقبة الاستبداد إلي عهد الحرية يمر بمرحلة انتقالية هي مرحلة التدافع بين الثوار وأرباب الثورات المضادة، الثوار يدافعون عن مبادئهم ويستكملون ثورتهم ويتمسكون بحريتهم، وأرباب الثورات المضادة يدافعون عن جاههم وسلطانهم ومنافعهم الشخصية ومناصبهم التي كادت أن تزول، ولكن الأيام دول، وتنتصر الثورات في نهاية المطاف، وعلي الباغي تدور الدوائر.

ويبقي انتزاع الحرية رهين صراع الإرادات بين شعوب تبذل وتضحي وتعمل من أجل ذلك، وحكومات تراوغ وتكذب وتهدد وتبطش، ومع ذلك تتغني بالحرية التي تنعم بها شعوبها.

وفي الحالة المصرية ستجني علي المنقلب أفعاله، وسيحفر قبره بيده، وقد بدأت شعبيته المنخدعة تتآكل، وأنصاره السذج يتراجعون حتي وصلت نسبة تأييده إلي أدني مستوي لها خلال الأشهر الماضية.  وتنكر له من ساندوه حين اكتشفوا خداعه وإفساده وتآمره، وصدق الله العظيم القائل: ( إن الله لا يصلح عمل المفسدين ) ([9] ).

 وصدق قول الشاعر:

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتي *** فأولُ ما يجني عليه اجتهادُهُ

 

رابعا: هل يعتقد أصحاب المشروع الإسلامي أن أرباب الثورات المضادة في الداخل والخارج الذين أسالوا الدماء من أجل وأد ثورات الربيع العربي وإجهاض الديمقراطية الوليدة، والقفز علي إرادة الشعوب.. هل يعتقدون أنه يمكن لهؤلاء المهيمنين أن يقبلوا مستقبلا - بتمكين أصحاب المشروع الإسلامي فيما بعد من الحكم بإرادتهم، والقبول بالتعايش معهم عبر صناديق الاقتراع والتغيير عبر الوسائل الدستورية ومجالس النواب ؟

أتصور أن هذا أمر أبعد من الخيال...

هذه استفسارات وإجابات يعين فهمها واستيعابها علي فهم الواقع جيدا، كما تعد مداخل مهمة لمعرفة طبيعة القضية التي نتحدث عنها،والمرحلة التي نعيش فيها، كما تعد أسسا عليها نبني، ومنها ننطلق، حتي نطمئن إلي أين نضع أقدامنا ؟ ومن أين نبدأ ؟ وما هي خطوتنا القادمة ؟

 

 

 

حول السؤال المطروح التغيير الثوري أم الإصلاح التدريجى:

قبل الشروع في الإجابة علي السؤال المطروح، ودون أن نحصر أنفسنا في اختيار أحد الخيارين المطروحين حسب صياغة السؤال، لا بد أن نتوقف حول مفهوم التغيير الثوري، والإصلاح التدريجي، ثم نحدد موقفنا منهما، ولا تضرنا الأسماء متي وضحت المسميات، والعبرة للمضامين لا للعناوين، والعبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثانى: الإصلاح التدريجى

 

ما المقصود بالإصلاح التدريجي ؟

الإصلاح في اللغة: من أصلح، وأصلح الشيء أي: أزال فساده.. والصلاح ضد الفساد، والإصلاح ضد الإفساد([10] ). والإصلاح: هو تقويم وتغيير وتحسين([11] )    .

التدرج: من (درج) درجا ودروجا ودرجانا أي: مشي مشية الصاعد في الدرج.

ودرج الصبي: أخذ في الحركة ومشي قليلا أول ما يمشي.

(درجه): أي جعله درجات، ودرج البناء: جعل له درجا، ودرج العليل: أي أطعمه شيئا قليلا إذا نقه حتي يتدرج إلي غاية أكله الذي كان قبل العلة والطعام ([12]) .

فالإصلاح التدريجي في دلالته اللغوية في ضوء ما سبق: هو الذي يتغيا الوصول إلي الغاية المنشودة من القضاء علي الفساد وإحلال الصلاح وفق نظرة واقعية حكيمة عبر درجات ومراحل وخطوات، وليس عبر قفزة واحدة، أو خطوة واسعة.

وقد استخدم مصطلح " الإصلاح " في ميادين شتي منها: الإصلاح السياسي والإصلاح الاجتماعي والزراعي وغير ذلك.

التدرج الذي نعنيه:

التدرج في الإصلاح والتغيير معناه: وضع خطة محكمة ذات مراحل محددة، للانتقال بالمجتمع من مرحلة إلي أخرى، علي أن تعطي الأولوية للجوانب التربوية والإعلامية والثقافية، التي تعمل متضامنة متكاملة من أجل بناء الإنسان، الذي ينشده الإسلام، وتهيئة المناخ اللازم لتطبيق سائر شرائع الإسلام بنجاح وتوفيق ([13]).

مشروعية نظام التدرج في الإصلاح والتغيير

أما سبيل التدرج في إصلاح المجتمع وتغيير مؤسسات الدولة فهذه فكرة صحيحة تتوافق مع منهج الإسلام في الإصلاح والتغيير بعامة وهي جديرة بالاعتبار، وحَريَّة أن تكون لها ترجمة عملية في الواقع التغييري لأي جهة تتجه نحو التغيير وتسلك طريق الإصلاح، وكما يقول الفقيه السوري الشيخ مصطفي الزرقا: " ولا ننسي أن الشريعة الغراء قد سلك الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم فيها خطة التدرج في إعلان أحكامها "  ([14]).

والإصلاح التدريجي سلوك حكيم في التغيير يراعي خطة الشريعة في تطبيق أحكامها معتبرة الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، واكتمال الدين شئ والتدرج في تطبيق أحكامه في الواقع شئ آخر.

وفي هذا المقام روت السيدة عائشة رضي الله عنها: ( إنما نزل أول ما نزل من القرآن، سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتي إذا ثاب الناس إلي الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شىء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزني أبدًا) ([15]).

وقد علق الحافظ ابن حجر علي هذا الحديث بقوله: ( أشارت إلي الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلي التوحيد والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس علي ذلك أنزلت الأحكام ولهذا قالت: "ولو نزل أول شىء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا"، وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة من ترك المألوف ) ([16]).

ولا يغيب عن الفقهاء في اجتهاداتهم ورواد التغيير والإصلاح في مجتمعاتهم في هذا الصدد الجانب الإصلاحي البنائي التربوي الذي تقوم به سائر التشريعات الإسلامية لخلق البيئة المناسبة المهيئة للتغيير وقبول الجماهير لتحكيم التشريعات الإسلامية بعامة.

التدرج من سنن الله الكونية والشرعية:

والتدرج سنة من سنن الله الكونية والشرعية، وقد فرض الله الفرائض، وحرم المحرمات بالتدرج، كما في فرض الصيام، وتحريم الخمر، ونحوها.

والتدرج في الإصلاح كما هو مطلوب قبل التمكين للإسلام في المجتمع فهو مطلوب أيضا بعد تمكين الإسلام من منصة الحكم، ومراعاة واقع الناس وظروفهم وأحوالهم أمر لا مفر منه، وهذا من موجبات تغير الفتوي في الشريعة الإسلامية، وقد كان النموذج الإصلاحي والتغييري للخليفة السادس عمر بن عبد العزيز مثالا واقعيا ونموذجا تاريخيا للتدليل علي هذا التدرج من واقع السلطة الحاكمة.

عمر بن عبد العزيز النموذج التاريخي والواقعي للتغيير التدريجي من واقع السلطة:

يروي أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز الشاب المتحمس قال لأبيه: " يا أبت ما منعك أن تمضي لما تريد من العدل، فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك، قال: يا بني إنما أنا أروض الناس رياضة الصعب، إني لأريد أن أحيي الأمر من العدل، فأؤخر ذلك حتي أخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه " ([17]) .

وفي رواية أخري قال الأب الحكيم: يا بني، إن الله ذم الخمر في آيتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخشي أن أحمل الناس علي الحق جملة، فيدفعوه جملة! ([18]).

ويعقب الشيخ القرضاوي علي هذا بقوله:

(أي أنه رأي من الحكمة الرفق والتدرج بالناس، حتي يتقبلوا ما يريدهم عليه من الحق.

وفي موقف مشابه قال له: يا بني إن قومك "يعني بني أمية" قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتي أردت مكابرتهم علي انتزاع ما في أيديهم، لم آمن أن يفتقوا علي فتقا، تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق بسببي محجمة من دم! أو ما ترضي ألا يأتي علي أبيك يوم من أيام الدنيا، إلا وهو يميت فيه بدعة، أو يحيي سنة؟!

التدرج المطلوب، هو الذي يضع نصب عينيه الهدف، ويحتال جاهدا للوصول إليه، فلا يمر يوم ـ كما أشار عمر بن عبد العزيز ـ إلا وهو يميت بدعة من بدع الجاهلية، ويحي سنة من سنن الإسلام ([19]).

الإصلاج التدريجي منهج مستمر قبل التمكين وبعده:

 عملية الإصلاح التدريجي إذن تتمدد في المجتمع و تنتشر عبر المؤسسات ما استطاعت وما أتيح لها، وتعني بالركائز كما تعني بالقاعدة والجماهير والمؤسسات، إذ إنها تعمل علي تحقيق أهداف الإسلام وهي إصلاح الفرد والأسرة والمجتمع.

 أما مرحلة التغيير الثوري حين يأتي وقتها فإنها تتجه نحو هدم الرأس، ثم يتبعها تفكيك جذور الامتداد الفاسد للنظام الضارب بأطنابه في أركان مؤسسات الدولة والذي يعرف  بالدولة العميقة مثل الشرطة والقضاء والإعلام وغيرها من كل منتفع ومستفيد ومؤيد لبقاء الفساد وهذه المرحلة تتجه لتحقيق قيام الحكومة المسلمة.

فالإصلاح التدريجي مطلوب في المجتمع قبل التغيير الثوري للتهيئة له والإعداد له، ومستمر بعد التغيير الثوري لبناء الدولة وتفكيك منظومة الفساد. وكلا المسارين يتكاملان ويتعاضدان لتحقيق الأهداف العامة من الفرد والأسرة والمجتمع والحكومة والدولة والخلافة ([20]).

حتي إن هناك أشياء لا تستطيع أن تنفذها وأنت علي رأس الدولة، وإن كانت لديك القوة مخافة أن يؤدي إنفاذها إلي ما هو أشد ضررا منها وفق فقه التغيير والإنكار. من ذلك:

موقف النبي صلي الله عليه وسلم من إعادة بناء الكعبة:

فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لها: «يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت، فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابا شرقيا، وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم»([21]).

التدرج والمرحلية في فكر المؤسس الأستاذ البنا:

وهذا ما كان واضحا نصب عين المؤسس الأستاذ البنا - رحمه الله حين جعل من خصائص دعوة الإخوان " التدرج في الخطوات " حيث يقول:

(وأما التدرج والاعتماد علي التربية ووضوح الخطوات في طريق الإخوان المسلمين، فذلك أنهم اعتقدوا أن كل دعوة لابد لها من مراحل ثلاث: مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة وإيصالها إلي الجماهير من طبقات الشعب، ثم مرحلة التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف من بين هؤلاء المدعوين، ثم بعد ذلك كله مرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج، وكثيراً ما تسير هذه المراحل الثلاث جنباً إلي جنب نظراً لوحدة الدعوة وقوة الارتباط بينها جميعاً، فالداعي يدعو، وهو في الوقت نفسه يتخير ويربي، وهو في الوقت عينه يعمل وينفذ كذلك.

ولكن لاشك في أن الغاية الأخيرة أو النتيجة الكاملة لا تظهر إلا بعد عموم الدعاية وكثرة الأنصار، ومتانة التكوين) ([22]).

وفي موطن آخر يقول: ( أيها الشباب: إن منهاج الإخوان المسلمين محدود المراحل واضح الخطوات، فنحن نعلم تماما ماذا نريد ونعرف الوسيلة إلي تحقيق هذه الإرادة ). ثم شرع في توضيح ذلك بأنه يريد الفرد المسلم، والبيت المسلم، والشعب المسلم، والحكومة المسلمة، وضم كل جزء من الوطن الإسلامي والخلافة والأستاذية ([23]).

التدرج في العمل السياسي لدي الإخوان:

يري الإخوان أن التدرج والمرحلية إحدي خصائص العمل الإسلامي الرشيد.

 وكما حدد الإمام الشهيد مراحل الدعوة بثلاث مراحل.: التعريف والتكوين والتنفيذ؛

فإن العمل السياسي في مفهوم الإخوان يترافق مع المراحل الثلاث وبدرجات متفاوتة.

فقد يقتصر في المرحلة الأولي: علي الأنشطة السياسية التي تؤدي إلي نشر الإسلام الصحيح، وإيضاح الأفكار الإسلامية للناس والتعريف بالجماعة، كما تتميز بالبعد عن مجابهة الحكام، أو النقد الصريح للأوضاع غير الإسلامية.

 

أما المرحلة الثانية: فقد يرافقها تأليف لجان دستورية وثانوية، مع شروح للنظم الإسلامية ومقارنتها بالقوانين الوضعية، وإعداد برامج كاملة لتبيان أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وقد عمل الإمام الشهيد علي تنفيذ هذه الأمور، وكتب لأجلها رسالتي: (مشكلاتنا) و (نحو النور).

 

أما المرحلة الثالثة: وهو العمل السياسي الذي يترافق مع مرحلة التكوين.. ويسعي إلي تغيير الأوضاع والدعوة لتعاون الأمة كلها في ذلك وهو ما يوضح المنهج الأصيل في تحفيز قوي الأمة جميعا وتوجيهها للتغيير الشامل..

وتفصيل ذلك حدده الإمام الشهيد.. فقال رحمه الله: "يعمل الإخوان المسلمون لغايتين:

غاية قريبة يبدو هدفها وتظهر ثمرتها لأول يوم ينضم فيه الفرد إلي الجماعة....

وغاية بعيدة لابد فيها من ترقب الفرص، وانتظار الزمن، وحسن الإعداد، وسبق التكوين.

فأمّا الغاية الأولى: فهي المساهمة في الخير العام أياً كان لونه ونوعه، والخدمة الاجتماعية كلما سمحت بها الظروف.

أما غاية الإخوان الأساسية.. أما هدف الإخوان الأسمى.. أما الإصلاح الذي يريده الإخوان ويهيئون له أنفسهم.. فهو إصلاح شامل كامل تتعاون عليه قوي الأمة جميعاً، وتتجه نحوه الأمة جميعاً، ويتناول كل الأوضاع القائمة بالتغيير والتبديل.

ويقول: "والإخوان المسلمون يعملون ليتأيد النظام بالحكام، ولتحيا من جديد دولة الإسلام، ولتشمل بالنفاذ هذه الأحكام، ولتقوم في الناس حكومة مسلمة، تؤيدها أمة مسلمة، تنظم حياتها شريعة مسلمة أمر الله بها نبيه ـ صلي الله عليه وسلم ـ في كتابه حيث قال: (ثم جعلناك علي شريعة من الأمر فاتبعها ولاتتبع أهواء الذين لايعلمون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين) ([24])، ( من خطاب المؤتمر السادس)  ([25]).

تعقيب علي معني التدرج:

هذا كلام عليه نور من الكتاب والسنة، وله تأييد من التاريخ والواقع، وتنظير سليم لا يختلف عليه اثنان أؤيده وأتبناه، لكن الحلقة المفقودة والسؤال الذي ما يزال بحاجة إلي إجابة هو: كيف تنتقل الدعوة من مرحلتي التعريف والتكوين إلي مرحلة التنفيذ: أعني الوصول إلي تسلم قيادة الدولة ؟

لأنه لا سبيل إلي إقامة الدين بشموله إلا بالدولة، ولأن الدين والملك توأمان لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه لأن الدين أس والملك حارس ولا بد للملك من أسه ولا بد للدين من حارسه، لأن ما لا حارس له ضائع وما لا أس له منهدم ([26]).

كيف سيتحقق ذلك في ظل التجارب التي لم تدع مجالا للشك أن الأنظمة لن تسمح بذلك، وستسخدم القوة الباطشة في سبيل الحيلولة دون تحقيق ذلك  كما حدث ويحدث.

وهذا سؤال ينبغي أن تكون إجابته واضحة لدي القائمين علي أمر الدعوة.

قيام الدولة بين البناء الفكري وتكوين جيل مؤمن بمبادئها عند البنا والمودودي:

أكد كل من الإصلاحييْن الكبيريْن الشيخيْن حسن البنا وأبي الأعلي المودودي علي نشر الفكرة الإسلامية في الشعوب وتكوين جيل مؤمن بها، والعمل علي وجود رأي عام شعبي جماهيري مناصر ومؤيد للفكرة الإسلامية بشمولها..

فعن ذلك البناء الفكري للمجتمع علي الإسلام وتكوين أنصار مؤمنين بمبادئ الدولة يقول الشيخ البنا: ( ولكننا أيها الناس: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحده موضع ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمر حتي يرث الله الأرض ومن عليها، ذلك لأنه نظام رب العالمين، ومنهاج رسوله الأمين.) ورأي أن تطبيق المنهج الإسلامي الكامل وإقامته في المجتمع لا يقتصر علي مجرد الرؤيا الصحيحة أو الفهم الشامل وإنما لابد من: تربية وإعداد لمن يتولي التطبيق وقيادة الأمة وهذا الإعداد يجب أن يتم علي التربية الإسلامية المتكاملة في الفهم والسلوك والعمل والحركة. وهو نفس ما رآه المودودي.

وفي أول رسالة أصدرها البنا وهي (رسالة دعوتنا) بين الأركان التي تدور عليها فكرة الإخوان في تحقيق أهدافها، وهي:  المنهاج الصحيح، والعاملون المؤمنون، والقيادة الحازمة الموثوق بها.
 
وفي موطن آخر يتحدث عن البناء الفكري فيما عناه بمراحل العمل: مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة وإيصالها إلي الجماهير من طبقات الشعب، ثم مرحلة التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف من بين هؤلاء المدعوين، ثم بعد ذلك كله مرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج ([27]).

ويقول الشيخ المودودي عن الدولة والفكرة الإسلامية: الدولة لا تتكون إلا وفق ما يتهيأ لها من العوامل الفكرية والخلقية والمدنية في المجتمع.. والدولة الإسلامية لا تظهر بطريق خارقة للعادة، بل لابد لإيجادها وتحقيقها من أن تظهر أولا حركة شاملة مبنية علي نظرية الحياة الإسلامية وفكرتها، وعلي قواعد وقيم خلقية وعملية توافق روح الإسلام وتوائم طبيعته، يقوم بأمرها رجال يظهرون استعدادهم التام للاصطباغ بهذه الصبغة المخصوصة من الإنسانية، ويسعون لنشر العقلية الإسلامية، ويبذلون جهودهم في بث روح الإسلام الخلقية في المجتمع. ثم يقوم علي هذا الأساس نظام للتفكير والثقافة يهيئ رجالا مطبوعين بطابع الإسلام الخاص ويتخرج بفضله المؤرخون والفلاسفة المسلمون والحاذقون في العلوم الطبيعية والاقتصادية والمالية والذين لهم حظ وافر في القانون والسياسة وفي كل فرع من العلوم والفنون، من الذين امتزجت الفكرة الإسلامية بلحومهم ودمائهم ([28]).

وقد فصل البنا والمودودي في صفات من تقوم عليهم دولة الإسلام.

 

صفات من تقوم عليهم  الدولة الإسلامية:

أوضح الشيخ أبو الأعلي المودودي صفات من تقوم عليهم  الدولة الإسلامية ومن تتكون منهم ومن يقومون علي أمرها فوصفهم بأنهم: رجال يخشون الله ويخافون حسابه، ويؤثرون الآخرة علي الحياة الدنيا، يتمسكون بما وضع الله لهم من دستور وما سن لهم من منهاج، ليسوا بجُوّع ( جمع جوعان ) إلي الثروة والجاه، إذا ألقيت إليهم مقاليد الأمور حرموا علي أنفسهم النوم وقضوا الليالي ساهرين حراسا لتكون الرعية في مأمن علي أنفسهم وأحوالهم وأعراضهم،وإذا دخلوا أرضا غزاة فاتحين أمن أهلها منهم، وما خافوهم علي أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.. إلي غير ذلك من الصفات المحمودة ([29]).

البنا وتكوين جيل جديد مؤمن بتعاليم الإسلام:

وهذا الذي رام إليه الشيخ أبو الأعلي المودودي هو عين ما هدف إليه الشيخ حسن البنا، حيث جعل غاية الإخوان هي تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام. يقول الأستاذ البنا في رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان: (منهاج الإخوان المسلمين.. الغاية والوسيلة):

 ( إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح يعمل علي صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها: " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة"  وأن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام وتربية أنصار الدعوة علي هذه التعاليم حتي يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول علي حكمها) ([30]).  

ومن ثم يعد نشر الفكرة الإسلامية في الشعوب وتكوين جيل مؤمن بالإسلام، والعمل علي وجود رأي عام شعبي جماهيري مناصر ومؤيد للفكرة الإسلامية بشمولها ركائز أساسية في عملية التغيير والإصلاح.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث: التغيير الثورى

 

ما المقصود بالتغيير الثوري ؟

ثار الشيء ثورا وثورانا: أي هاج، والثائر: الغضبان

والثورة هي الهيجان، يقال: انتظر حتي تسكن هذه الثورة، وهي الهيج ([31]).

والثَّوْرَة: تغيير أساسي في الأوضاع السياسية والاجتماعية يقوم به الشعب في دولةٍ ما ([32]).

ولأن كلمة "ثورة" بإطلاق غالبا ما تختلط بها معاني العنف أو الهيجان أو الفوضي، لذا كان من الضروري من تقييدها بوصف لتمييز ثورة عن أخري مثل:" الثورة البيضاء"، أو " ثورة الياسمين"، أو " ثورة اللاعنف"، أو " الثورة السلمية" وهكذا، وهي الثورة التي تحقق أهدافها بدون سلاح أو إراقة دماء، حتي وإن استخدمت الأنظمة القوة ضد الثوار المسالمين، علي النقيض من الثورة المسلحة وهي التي تعتمد السلاحَ وسيلةً للتغيير.

ولذلك كان للشيخ البنا موقفه الرافض للثورة بالمعني العنيف، والتي أيضا - ليس لها قاعدة إسلامية صحيحة، ويراها الإخوان جهداً غير مثمر علي المدي الطويل، ووصفها البنا بأنها " أعنف مظاهر القوة "..

موقف البنا من الثورة:

يقول ( وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت علي هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاحٍ عاجل وعلاج سريع لهذه المشاكل فسيؤدي ذلك حتماً إلي ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم، لكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيراً من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال) ([33]).

ولذلك حين وجد الإخوان قاعدة شعبية إسلامية تنحاز إلي المشروع الإسلامي بعد أكثر من ثمانين عاما من الجهد والعمل المجتمعي والتربوي والدعوي والجهاد السياسي  والنضال القانونى.. حين وجدوا ذلك أقدموا علي إحداث ثورات الربيع العربي، وهذا هو الذي يزيل الإشكال الحادث في رأيي -  بين كلام الأستاذ البنا الرافض للثورات، وبين موقف الإخوان من ثورات الربيع العربي المؤيد لها.

وفي ضوء ذلك أستطيع أن أفهم أن الإخوان  يعتبرون موقف الأستاذ البنا السابق رحمه الله   من الثورات اجتهادا في حينه وفق ما وقع من ثورات وما أحاط بها من ظروف، وليس من ثوابت الجماعة ولا من استراتيجيتها، وأن الثورات التي عناها وتحدث عنها غير تلك التي شاركوا فيها، وأن ما رآه من باب تغير الفتوي بتغير الزمان والمكان، وأن هناك فرقا كبيرا بين الثورات التي ليس لها قاعدة إسلامية  صحيحة كتلك التي تنتج من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال وإهمال مرافق الإصلاح وبين غيرها، أي التي لها قاعدة شعبية إسلامية تناصرها وتؤيدها.

ويلتقي كلام الشيخ محمد رشيد رضا مع الشيخ البنا في أن الثورة بدون مجتمع واع بمثابة سهم طائش تجاه هدف خاطىء، يقول:( الثائر لأجل مجتمع جاهل هو شخص أضرم النيران بجسده كي يضيء الطريق لشخص ضرير ).

ومن ثم كان التغيير السلمي الثوري المتمم للعمل التربوي والاجتماعي والسياسي أنسب وسائل التغيير، ذاك الذي يتجنب استهداف الأرواح، ويبتعد عن إراقة الدماء، ويعتمد الاحتجاجات السلمية، والاعتصامات، والإضرابات العامة والجزئية، وفضح الفساد، وإثارة الجماهير ضد المستبدين، واعتماد النفس الطويل والاستمرار، وغير ذلك من أدوات النضال الشعبي السلمي لإسقاط الحكومات المستبدة وكسر الانقلابات العسكرية التي تستهين بإرادة الشعوب.

 

منهج الثورات الشعبية السلمية: 

ومنهج الثورات الشعبية السلمية ضد المستبدين في تاريخ الشعوب المعاصرة - بعد تكوين نواة صلبة تكون مرتكز الحركة، وإيجاد رأي عام قوي رافض للاستبداد - أنها تسلك طريق التمدد والانتشار والإفشال للنظام المستبد وتعرية فساده، وتعمل علي توسيع رقعة الغضب والسخط، وتهييج الرأي العام ضد الظلم والفساد، وإيقاظ المغيبين والمخدرين، وكسب فئات جديدة تقتنع بعدالة القضية، والعمل علي كسر الرعب، وإماتة الخوف داخل النفوس، وإسقاط هيبة النظام المستبد، واستمرار الابتكار في وسائل الاحتجاج والاعتراض، من خلال نواة صلبة تمثل العمود الفقري للحراك الثوري، حتي تصل جموع الثوار إلي ما يسمي بالكتلة الحرجة، وتعني الوصول إلي المرحلة التي يتم فيها التفاعل المستمر من دون توقف.

النسبة المطلوبة للتغيير الثوري في ضوء التجارب:

ويذهب بعض الباحثين في تاريخ الثورات إلي أن الكتلة البشرية الفاعلة المطلوبة لإحداث تغيير ثوري تتراوح ما بين 2% إلي 5 % من عدد السكان، ويؤكد علي أنه قلما احتاجت ثورة من الثورات إلي كتلة بشرية أعلي من ذلك لتحقيق المردود الثوري علي الأرض ([34]). 

وعند الوصول إلي نقطة معينة يخرج الأمر عن نطاق السيطرة، وتهب الجماهير الثائرة لا يقف أمامها شيء، فتسقط قلاع الاستبداد وأدواته، في مرحلة حاسمة، ينهار فيها النظام بأسرع مما كان يتصور الثائرون، وعند الصباح يحمد القوم السري.  

لماذا المسار الثوري السلمي الشعبي ؟

وقد أثبت الواقع وعضدته التجارب أن المسار الثوري السلمي الشعبي هو أنسب الوسائل للتغيير، وأقلها كلفة، وأقربها إلي النجاح.

ويعتبر هذا هو الطريق الأسلم والأوثق لنجاح الثورات من انتهاج سبيل العنف أو عسكرة الثورة وتسليحها، وإن ظن البعض أنه الطريق الأطول، وهو رغم التضحيات الكبيرة التي يقدمها الثوار طوال مسيرة الثورة في مرحلة الصمود والاستمرار والمقاومة السلمية في صبر - وهم يقبضون علي الجمر - إلا أنه الطريق الأخف ضررا، والأقل كلفة، والأضمن نجاحا، مقارنة بما إذا تم عسكرة الثورة، وتسليح الثوار، فضلا عن فقدان الثوار لجزء من الحاضنة الشعبية التي كانت تساندهم، حال انتهاج العنف، وكذا فتور التأييد الدولي من بعض الدول والشعوب المحترمة التي تؤيد مطالب الثورة والثوار، واختلاط الأمر بين الظالم المستبد، والثوار المسلحين، وإعطاء مبرر لقوي الاستكبار العالمي للتسوية بين الضحية والجلاد، فتضيع الحقيقة، وتجهض الثورة، وتذبح القضية تحت سكين الأمم المتحدة بقراراتها، وبياناتها، ومنابرها، ومؤسساتها، وما العشرية السوداء في الجزائر منا ببعيد، ولا النموذج السوري عنا بغائب ([35]).   

هذا ما انتهت إليه تجارب السنين:

وهذا ما انتهت إليه تجارب الإخوان وبقية الجماعات الإسلامية، والذي يتمثل في قناعة عامة في هذا السبيل تتلخص في:

 قصر الجهاد القتالي علي دفع قوي الاحتلال عن ديار المسلمين.

قال تعالي:"وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" ([36]).

أما مجالات تغيير المنكر داخل البلاد المسلمة وحسم الخلافات الناشبة مهما عظمت فسبيلها أنواع الجهاد السلمي الدعوي والسياسي والاجتماعي. فإذا سدت الأبواب دون ذلك ففي الصبر مندوحة ([37]).

ولعل هذا ما قصده الأستاذ البنا في قوله تحت عنوان "مصارحة " وهو يخاطب الإخوان:

( إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده. ولست مخالفاً هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقاً طويلة ولكن ليس هناك غيرها. إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلي غيرها من الدعوات. ومن صبر معي حتي تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك علي الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين: إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة.

أيها الإخوان المسلمون: ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة. ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها علي بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد ) ([38]).

فلسفة اللاعنف:

العنف مرفوض في مسار الثورة الشعبية السلمية لأنه في ظل العنف تضيع الحقيقة، ويستوي الظالم والمظلوم، والجاني والمجني عليه، والجلاد والضحية، في ظل نظام دولي أعور، يري بعين ما يروق له، أما ما لا يريد أن يراه، فعينه العوراء مصوبة نحوه، وغالبا ما يمثل العنف طوق نجاة للقاتل ينتظر من معارضيه سلوكه بفارغ الصبر، لأنه البديل له عن طوق المشنقة الذي ينتظره بعد الصبر عليه، وإفشاله وتهييج الرأي العام الداخلي عليه، وتأليب العالم ضده.

وقد لقب المهاتما غاندي الزعيم الهندي بداعية اللاعنف، وهو الذي وهب حياته لنشر ما سمي في عالم السياسة بالمقاومة السلمية أو فلسفة اللاعنف  (الساتياراها)، وهي مجموعة من المبادئ تقوم علي أسس دينية وسياسية واقتصادية في آن واحد ملخصها الشجاعة والحقيقة واللاعنف، وتهدف إلي إلحاق الهزيمة بالمحتل عن طريق الوعي الكامل والعميق بالخطر المحدق وتكوين قوة قادرة علي مواجهة هذا الخطر باللاعنف واستمر علي مدي أكثر من خمسين عاما يبشر بها ([39] . 

اللاعنف ليس عجزا:
واعتبر غاندي أن اللاعنف ليس عجزا أو ضعفا، ذلك لأن "الامتناع عن المعاقبة لا يعتبر غفرانا إلا عندما تكون القدرة علي المعاقبة قائمة فعليا ".

 

 

 

 

الخاتمة

الخلاصة

في ضوء ما سبق تقوم فكرة الإصلاح والتغيير علي ركيزتين:

الأولى: نشر الفكرة الإسلامية الصحيحة بشمولها بين الجماهير، وإيجاد رأي عام قوي ضاغط مناصر لها.

 والثانية: تكوين جيل مؤمن بتعاليم الإسلام يكون الأساس والنواة التي يعتمد عليها الإصلاح والتغيير.

ـــــــ اختيار طريقة تغيير الحكام الظالمين والمستبدين وتمكين الإسلام من منصة الحكم من مسائل السياسة الشرعية، ويظل أمر استعمال الوسيلة المناسبة لتغيير المنكر الأكبر المتمثل في تغيير الحكام الظالمين في كل زمان موكولا لأهله، وموضع تقدير واجتهاد أهل الشوري والتأثير في كل عصر، يقدرون المسألة ويرتبون عليها التصرف الأمثل لمعالجتها وفقا لاعتبارات كثيرة.

ــــ نظام التدرج في الإصلاح وتغيير المجتمع ومؤسسات الدولة توجه صحيح يتوافق مع منهج الإسلام في الإصلاح والتغيير بعامة، لأن التدرج سنة من سنن الله الكونية والشرعية، وقد فرض الله الفرائض، وحرم المحرمات بالتدرج، كما في فرض الصيام، وتحريم الخمر، ونحوها. ومنهج التدرج في الإصلاح حَريَّ أن تكون لها ترجمة عملية في الواقع التغييري لأي جهة تتجه نحو التغيير وتسلك طريق الإصلاح

 

ـــــ لا أري أن أحد الخيارين وحده الإصلاح التدريجي أو التغيير الثوري -  يمثل إجابة علي السؤال المطروح، إذ ليس ثمة تعارض بين الاثنين، بل هناك تكامل بينهما، فالتغيير السلمي الثوري متمم للعمل التربوي والاجتماعي والسياسي وهو أنسب وسائل التغيير، فلا بد من إصلاح تدريجي مستمر يؤسس لقاعدة إسلامية صلبة، ويؤهل الجماهير للتغيير الثوري علي الوصف الذي أوضحناه سالفا، والانتفاضة علي الفساد والاستبداد، وخروج شرائح الشعب المختلفة بأعداد هادرة تؤمن بالحرية والتضحية لتحطم أبراج الباطل، ثم عودة مرة أخري إلي الإصلاح التدريجي لبناء الدولة، وتفكيك منظومة الفساد وإحلال منظومة الإصلاح.

 

ــــ الإصلاح التدريجي منهج مستمر قبل التمكين للتهيئة للتغيير الثوري، ومستمر بعد التغيير الثوري والتمكين لبناء الدولة وتفكيك منظومة الفساد، وكلا المسارين يتكاملان ويتعاضدان لتحقيق الأهداف العامة للإسلام من إصلاح الفرد والأسرة والمجتمع والحكومة والدولة، مع مراعاة واقع الناس وظروفهم وأحوالهم، وقد كان النموذج الإصلاحي والتغييري للخليفة السادس عمر بن عبد العزيز مثالا واقعيا ونموذجا تاريخيا للتدليل علي هذا التدرج من واقع السلطة الحاكمة.

 

ـــ عملية الإصلاح التدريجي تتمدد في المجتمع و تنتشر عبر المؤسسات ما استطاعت وما أتيح لها، وتعني بالقاعدة والجماهير والمؤسسات، إذ إنها تعمل علي تحقيق أهداف الإسلام في إصلاح الفرد والأسرة والمجتمع.

ـــ أما مرحلة التغيير الثوري حين يأتي وقتها فإنها تتجه نحو هدم الرأس، ثم يتبعها تفكيك جذور الامتداد الفاسد للنظام الضارب بأطنابه في أركان مؤسسات الدولة والذي يعرف  بالدولة العميقة مثل الشرطة والقضاء والإعلام وغيرها من كل منتفع ومستفيد ومؤيد لبقاء الفساد وهذه المرحلة تتجه لتحقيق قيام الحكومة المسلمة.

 

ــــــ الثورة بدون مجتمع واع بمثابة سهم طائش تجاه هدف خاطىء وكما قيل: الثائر لأجل مجتمع جاهل هو شخص أضرم النيران بجسده كي يضيء الطريق لشخص ضرير.

ـــــ انتهاج العنف سبيلا للتغيير في البلاد العربية في واقعنا المعاصر لم يؤد إلي نتيجة أو تغيير، بل ترتب عليه أخطاء كبيرة شوهت صورة الإسلام، وأودي بحياة كثيرين من المدنيين ومن جماعات العنف ومن الجهاز الأمني علي السواء. كما يعد أكبر هدية تقدمها جماعات العنف للأنظمة المستبدة والغرب الموتور الحانق علي الإسلام والمسلمين. واللاعنف ليس عجزا بل هو أعظم قوة متوفرة للبشرية.

 

([1])   راجع في هذا فقه الجهاد ، د يوسف القرضاوي ج 2 ص 1207، وما بعدها، مكتبة وهبة الطبعة الرابعة 1435 هـ 2014 م ، والبيت نسب لعلي بن أبي طالب ولابن بسام البغدادي .

([2]رواه ابن حبان في صحيحه في البر والإحسان باب الرفق - الأمر بلزوم الرفق في الأشياء، وصححه الألباني في المشكاة ، وصححه الشيخ شعيب الأرنؤوط .

([3]رواه مسلم في البر والصلة والآداب باب فضل الرفق .

([4])          النحل 125 .

([5])  بشير نافع من مقال بعنوان " لماذا تنتهي الحرب علي الإخوان المسلمين دائماً إلي الفشل؟" ن بوست 10 إبريل 2014  . علي الرابط التالى: https://www.noonpost.org/content/2438

 

([6])  فضائح الباطنية صـ 227 ، لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، تحقيق إبراهيم بسيوني نور الدين، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2009.

([7])        وثيقة العلماء في ثوابت الإسلام ص 5 التي أقرتها الاتحادات والروابط لعلماء المسلمين.

 

 

([8])        راجع في هذا المضمون فقه الجهاد للشيخ القرضاوي ج 1 ص 1151 ، 1152 .

 

([9])        سورة يونس 81

 

([10])      لسان العرب والمعجم الوسيط مادة صلح .

([11])      معجم المعاني الجامع ( إصلاح ).

([12])      المعجم الوسيط مادة درج .

([13]) الإسلام والعلمانية وجها لوجه ص 202 ، 203 د يوسف القرضاوي .

([14])      فتاوي الزرقا، ص394، 395.

([15])      البخاري ـ فضائل القرآن ـ باب تأليف القرآن (4993).

([16])      فتح البارى، جـ9، ص51.

([17])      حلية الأولياء وطبقات الأصفياء جـ 5 صـ 254  لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني (المتوفى: 430هـ) الناشر: السعادة - بجوار محافظة مصر، 1394هـ - 1974م.

([18])      الموافقات للشاطبي ج 2 ص 148 بتحقيق: أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان ، الناشر: دار ابن عفان الطبعة: الطبعة الأولي 1417هـ/ 1997م.

([19]) الإسلام والعلمانية وجها لوجه ص 202 ، 203 .

 

([20])  يراجع في ذلك رسالة المؤتمر الخامس للأستاذ حسن البنا.

 

([21]) رواه البخاري في الحج باب فضل مكة .

([22])      رسالة المؤتمر الخامس ص 341 من مجموعة رسائل الأستاذ البنا دار التوزيع والنشر الإسلامية ، الطبعة الأولي 1427 هـ - 2006 م .

([23])      رسالة إلي الشباب عامة وإلي الطلبة خاصة ص 421 وما بعدها .

([24])  الجاثية: 18.

([25])   راجع في ذلك رسالة صادرة عن المركز الإعلامي للإخوان المسلمين بلندن " نظرات في المنهج التغييري الجهادي    والسياسي لجماعة الإخوان المسلمين "

 

([26])  درر السلوك في سياسة الملوك لأبي  الحسن علي بن محمد الماوردي (المتوفى: 450هـ) بتحقيق: فؤاد عبد المنعم أحمد دار الوطن – الرياض .

.

([27])      رسالة المؤتمر الخامس ص 341 من مجموعة رسائل الأستاذ البنا دار التوزيع والنشر الإسلامية ، الطبعة الأولي 1427 هـ - 2006 م .

([28]) منهاج الانقلاب الإسلامي ص 21 وما بعدها . وأكد علي أن كل نوع من الانقلاب يستدعي حركة وزعامة وعملا وشعورا اجتماعيا وبيئة خلقية تلائمه ، فالثورة الفرنسية مثلا كانت محتاجة إلي ذلك الأساس الفكري والخلقي الذي أوجده ( روسو ) و( فولتير ) و( منتسكيو) وأمثالهم من مفكري فرنسا ، والانقلاب الشيوعي ماكان ليظهر ويبرز إلي عالم الوجود إلا بالنظام الفكري الذي شيد بنيانه ووطدت دعائمه زعامة ( كارل ماركس ) و( لينين ) و( تروتسكي ) وجهود مئات من دعاتهم ومتطوعيهم الشيوعيين الذين أشربوا في قلوبهم الشيوعية) منهاج ص 24.

 

([29]) منهاج الانقلاب الإسلامي ص 21 .

 

([30]) رسالة المؤتمر الخامس.

 

([31])  لسان العرب مادة ثار .

 

([32])  المعجم الوسيط مادة ثار.

 

([33])  رسالة المؤتمر الخامس ص 354 من مجموعة رسائل الشيخ حسن البنا.

 

([34])  صديق أبوفواز ، صحيفة الراكوبة السودانية الإلكترونية علي الرابط التالي: https://www.alrakoba.net/articles-action-show-id-73559.htm

 

([35])  وإن كان من العدل والإنصاف أن نقول: إن الثورة السورية استمرت ما يقرب من العام سلمية تماما ، ولكن أريد لها عمدا أن تنزلق هذا المنزلق ، فاضطرها النظام الدموي للدفاع عن العرض والنفس بعد مقابلتها بالرصاص والإيغال في القتل والذبح وانتهاك العرض . 

([36])  البقرة 189 .

([37])  من رسالة نظرات في المنهج التغييري الجهادي والسياسي لجماعة الإخوان المسلمين الصادرة عن المكتب الإعلامي بلندن .

 

 

([38])  رسالة المؤتمر الخامس ص 343  .

([39]) ولد موهندس كرمشاند غاندي الملقب بـ"ألمهاتما" (أي صاحب النفس العظيمة أو القديس) في الثاني من أكتوبر 1869 في بور بندر بمقاطعة غوجارات الهندية من عائلة محافظة لها باع طويل في العمل السياسي، حيث شغل جده ومن بعده والده منصب رئيس وزراء إمارة بور بندر، كما كان للعائلة مشاريعها التجارية المشهورة. وقضي طفولة عادية ثم تزوج وهو في الثالثة عشرة من عمره بحسب التقاليد الهندية المحلية ورزق من زواجه هذا بأربعة أولاد . سافر غاندي إلي بريطانيا عام 1888 لدراسة القانون، وفي عام 1891 عاد منها إلي الهند بعد أن حصل علي إجازة جامعية تخوله ممارسة مهنة المحاماة .. وفي 30 يناير 1948 أطلق أحد الهندوس المتعصبين عليه ثلاث رصاصات قاتلة سقط علي أثرها المهاتما غاندي صريعا عن عمر يناهر 79 عاما

راجع موقع الجزيرة علي المسار التالي:

  : http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/8033f9ad-e6c0-4382-84eb-584049650d17

 


التعليقات