سحب تحفظات السودان حول الميثاق الأفريقي للطفل.. رؤية تحليلية

بثت وكالات الأنباء السودانية خبراً صادماً يفتح باب الجحيم على مصراعيه أمام الأسرة السودانية، ويُعد مؤشراً خطيراً على استهداف القارة السوداء، ليس في ثرواتها المادية هذه المرة وإنما فيما هو أثمن وأنفس قيمة، في حصنها المنيع: الأسرة، حيث وافقَ مجلس الوزراء، خلال جلسته العاديّة السابعة والعشرين، برئاسة رئيس مجلس الوزراء، دكتور عبد الله حمدوك، على سحب التحفّظات السابقة للسودان على الميثاق الأفريقيّ لحقوق الطفل ورفاهيّته، والتي كانت على المواد: (11، و10 الفقرة 6، و21 الفقرة 2) من الميثاق.

 وجاءَتْ موافقة مجلس الوزراء، بالتزامن مع ذكرى اليوم العالميّ للطفل، بناء على مذكرة رُفعت إليه من المجلس القومي لرعاية الطفولة، طالب فيها برفع التحفظات لانتفاء مسوغاتها، بعد مصادقة السودان على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل 1989، وبعد مذكرةٍ دفعَ بها المجلس القوميّ لرعاية الطفولة، تضمّنت وقائع إجازة الميثاق وتاريخه، وإثبات التحفُّظات بواسطة جلسة مجلس الوزراء رقم مائة وستين للعام 2004م، وكذلك لتطوّر التشريعات الوطنيّة خلال الفترة الماضية، بما يجعل وجود هذه التحفّظات بلا معنى، خصوصاً في ظلّ باب الحقوق والحريّات بالوثيقة الدستورية لعام 2019م، تعديل 2020م، كإطارٍ حاكمٍ للفترة الانتقاليّة. وقالت وزيرة العمل والتنمية الاجتماعية، لينا الشيخ، إن التحفظات السابقة "استهدفت الطفلات على سبيل القهر وعدم الاعتراف بحقوقهن". وأشارت إلى أنها أدخلت البلاد في حرج دولي؛ لأنها جاءت على مواد جوهرية في الميثاق. (1)

 ويشكل الأطفال نحو 48.5 % من سكان السودان، بحسب التعداد السكاني للعام 2008م

 وفي مناقشة هادئة لهذا القرار الصادم، ينبغي الإجابة عن عدة تساؤلات: ما الجهة التي دفعت بالطلب إلى مجلس الوزراء كي يتخذ ذلك القرار؟ ما المبررات التي قدمتها هذه الجهة لتسويغ رفع التحفظات؟ ما المواد المتحفظ عليها؟ وما تداعيات ذلك؟

 أولاً- الجهة التي دفعت بطلب رفع التحفظات إلى مجلس الوزراء:

 تأسست في كل دول العالم الثالث مجالس قومية للطفل، وأخرى للمرأة، وحديثًا للأسرة؛ لتكون جميعها آليات لمتابعة تطبيق الاتفاقيات الدولية، ورصد ما يواجه التطبيق من عقبات، وإزالة تلك العقبات لضمان التطبيق الكامل، وذلك تنفيذًا لتوصيات اللجان الدولية للطفل والمرأة بالأمم المتحدة.

 وفي ضوء ذلك تأسس المجلس القومي للطفولة في السودان عام 1991، كآلية وطنية (National Machinery) مهمتها تنفيذ الاتفاقيات الدولية الخاصة بالطفل، والاتفاقيات ذات الصلة، ورصد التقدم في التطبيق، والعقبات التي قد تعترضه، وسبل القضاء على هذه العقبات.

 وسعى المجلس لإدماج الاتفاقيات الدولية ضمن النسيج الوطني في ظروف مربكة شهدها السودان، حيث العديد من التحولات أبرزها توقيع اتفاقية السلام الشامل (CPA) مع الجنوب عقب حرباً هي الأطول بالقارة الإفريقية، كان من نتائجها إقرار الدستور الانتقالي للسودان (يوليو 2005)، والذي نص على كافة الحريات والحقوق الأساسية وحمايتها تحت عنوان (وثيقة الحقوق)، كما نص الدستور علي أن أي حريات لم يرد ذكرها في الدستور، وجاءت في أي اتفاقية أو عهد أو ميثاق دولي لحقوق الإنسان صادق عليه السودان تعتبر جزء لا يتجزأ من الدستور. كذلك اتفاقية سلام دارفور، واتفاقية سلام الشرق، حيث نصت هذه الاتفاقيات علي أن تقوم الدولة بحماية حقوق الطفل على نحو ما نصت عليه الاتفاقات الإقليمية والدولية.

 وقد تميزت هذه الفترة -كما أورد السودان في تقريره للجنة الطفل الدولية- بإنشاء وتأسيس آليات وطنية وولائية لتضطلع بالتنسيق والمتابعة لقضايا الطفولة المختلفة، مثل المجلس القومي لرعاية الطفولة، ومجالس رعاية الطفولة الولائية، والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وشهدت ذات الفترة تنامي دور منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية العاملة في مجال الطفولة بالسودان. (2)

 ثانياً- مبررات رفع التحفظ:

  أما عن مبررات رفع التحفظ –وفقاً للمجلس القومي للطفولة- فهي "لانتفاء مسوّغاتها، بمصادقة السودان على اتفاقيّة الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1989م، وكذلك لتطوّر التشريعات الوطنيّة خلال الفترة الماضية، بما يجعل وجود هذه التحفّظات بلا معنى، كما أنها أدخلت البلاد في حرج دولي؛ لأنها جاءت على مواد جوهرية في الميثاق"، والغرض الأساسي من رفع التحفظات إنما هو لحرية الطفلة الأنثى بالأخص (المراهقة)، على حد تبرير وزيرة العمل والتنمية الاجتماعية، المذكور أعلاه: "إن التحفظات السابقة استهدفت الطفلات على سبيل القهر وعدم الاعتراف بحقوقهن".

 وهذا بوجه عام يوضح إستراتيجية (التدرج) التي تتبعها هيئة الأمم المتحدة الموقرة، ومن يسير في فلكها من المنظمات الإقليمية، للدفع بالدول الأطراف لتبني نموذجاً غير راضين عنه كاملاً. حيث تفتح لهم باب التوقيع على الاتفاقية كي يتحقق ما يعدونه (إجماعاً دولياً)، مع فتح باب التحفظ على ما يعترضون عليه من بنود، ثم التصديق من قبل المجالس المنتخبة للدول الأطراف. وحينها تتذرع الحكومات أمام شعوبها بحجة أن التصديق على الاتفاقية لا ضرر فيه ما دام ثمة تحفظات، وتقنع الهيئة الدولية بهذا المستوى لحين. وتشرع في المطالبة بتأسيس آليات وطنية لمتابعة تنفيذ مالم يُتحفظ عليه، وتقديم تقارير دورية ترصد التطور في التشريعات الوطنية بما يوائم الاتفاقيات الدولية، وفي هذه المرحلة للجنة الطفل أن تدعو الوكالات المتخصصة واليونيسف وغيرها من الأجهزة لتقديم تقارير رقابية عن تنفيذ الاتفاقية في الدول الأطراف.

 وترصد تلك التقارير أيضاً العقبات، والتي بطبيعة الحال ستكون مما هو (متحفظ عليه)؛ ليتم الدخول في دائرة جديدة، وهي المطالبة برفع التحفظات بذرائع متعددة من قبيل:

 الحرج الدولي، وإن كان الحفاظ على الهوية الوطنية والتنوع الثقافي لا يسبب حرجاً، بل يكمن الحرج في تبني نموذج مغاير للبيئة الإفريقية، بل وفاشل فشلاً ذريعاً في بيئته الأصلية، بما يؤكد احتمالية فشله إذا ما أُعيد استنباته في بيئة مغايرة لبيئته.

 أو أن القضايا المتحفظ عليها صارت جزءاً من القانون الوطني بالفعل. وهذا أيضاً يُرد عليه بأن إدماجها ضمن النسيج الوطني كان في ظروف غير طبيعية ليست هي الأصل، فضلاً عن وجوب إصلاح الخطأ لا التمادي فيه بمزيد من التقنين له، ولاسيما أنه سيخلق واقعاً لن يتم سداد فاتورته الآن، وإنما سيقع عبء سدادها على عاتق الأجيال القادمة.

 ثالثاً- المواد التي رُفع عنها التحفظ:

 مادة 10: حماية الخصوصية:

 لا يتعرض طفل للتدخل التعسفي أو غير المشروع في خصوصيته أو بيت أسرته أو مراسلاته، أو يكون عرضة للتهجم على شرفه أو سمعته، بشرط أن يكون للآباء أو الأوصياء القانونيين الحق في ممارسة الإشراف المعقول على سلوك أطفالهم، ويكون للطفل الحق في حماية القانون ضد مثل هذا التدخل أو التهجم.

 مادة: 11 التعليم:

  يكون لدى الدول أطراف هذا الميثاق كافة الإجراءات المناسبة لضمان أن يكون لدى الأطفال الذين أصبحوا حوامل قبل إكمال تعليمهم فرصة مواصلة تعليمهم على أساس قدراتهم الفردية.

 مادة 21: الحماية ضد الممارسات الاجتماعية والثقافية الضارة:

 يحظر زواج الأطفال وخطبة الفتيات والأولاد، وتتخذ الإجراءات الفعالة -بما في ذلك التشريعات- لتحديد الحد الأدنى لسن الزواج ليكون 18 سنة، والقيام بتسجيل كافة الزيجات في سجل رسمي إجباري. (3)

 رابعاً- قراءة تحليلية لهذه المواد:

 1- سن الطفولة:

  تتعامل البنود الواردة مع الطفل بأنه ذو الثمانية عشر ربيعاً، وأن هذا أمر مسلم به، وتحديد سن الطفولة بالثمانية عشر لا يتفق مع العلم أو الشرع في شيء، فتعريف الطفل عند علماء النفس: "تلك المرحلة التي تمتد من بداية الإخصاب حتي الميلاد، وتستمر حتى يصل الطفل إلى مشارف مرحلة جديده في سن 12سنة، وهي مرحلة المراهقة بما تمتاز به من تغيرات جسمية وانفعالية ونفسية"(4). وفي علم الاجتماع: "هي تلك الفترة المبكرة من الحياة الإنسانية التي يعتمد فيها الفرد على والديه اعتماد كليًّا"، أو أنها "تلك الفترة التي تبدأ من الميلاد وتستمر حتى الثانية عشر من عمره". (5)

 أما الشريعة الإسلامية، فقد اهتمت بتحديد مرحلة الطفولة لما لها من أحكام خاصة تتناسب مع فترة الضعف التي يمر بها الطفل (الله الَذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً)،(6) من هذه الأحكام عدم مطالبته بالأحكام الشرعية مطالبة جازمة، أو معاقبته العقوبة الكاملة على أفعاله وتصرفاته، وولاية غيره عليه، فإذا مرت هذه الفترة صار الإنسان مكلّفًا، حيث لم يعد طفلاً، أي مطالبًا بكل الشعائر والأوامر والنواهي، ومُعَرَّضًا لكل عقوبة تترتب على خطئه وعمده.

ومن ثم تكفلت الشريعة ببيـان الحد الفاصـل لمرحلة الطفولة بيانًا لا لبس فيه ولا غموض، وهي :البلوغ بإجماع الفقهاء للذكر والأنثى، أما السن فلا يلجأ إليه الفقهاء عند ظهور علامات البلوغ (الإنزال والإنبات للذكر، والحيض للأنثى)، وقد اختلف الفقهاء في تحديد السن الذي ينهي مرحلة الطفولة (في حال تأخر البلوغ)، والجمهور يرى أن السن المعتبرة في البلوغ هي خمسة عشر سنة، وهي حالة استثنائية، حيث لا يتأخر البلوغ إلا بِعِلَّة (7). ولقد ألقى القرآن حكماً تكليفياً على الصبي بمجرد بلوغه بغضّ النظر عن سنه، حيث جاء فيه:{وإذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَذِين مِن قَبْلِهِمْ}. (8)

 2- حظر الخطبة والزواج قبل الثامنة عشر:

وهذه نتيجة بطبيعة الحال مترتبة على النقطة السابقة، فالإقرار بأن من هو دون الثمانية عشر ربيعاً طفل، إذن يحظر تزويجه أو حتى خطبته، وإلا عُد زواجاً مبكراً وقسرياً. (9)

 ورفع سن الزواج للإناث إلى الثامنة عشر تم إعمالاً لمبدأ المساواة بين الجنسين، مع أن الثابت علمياً والمعلوم للكافة أن سن البلوغ للإناث أسبق منه للذكور؛ ومن ثم كانت المفارقة في سن الزواج للإناث أسبق منه للذكور. فضلاً عن أن فرض قانون لرفع سن الزواج لـ18 عامًا مرفوض شرعًا، سواء للذكر أو للأنثى، ويصادم أحكام الشريعة الإسلامية التي تجيز النكاح قبل هذه السن؛ لأن المعوَّل عليه في الزواج ليس السن، ولكن القدرة على تكوين بيت والإنفاق عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب.. من استطاع الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء". (10)

 إذن المقياس هنا هو القدرة المادية والمعنوية دون الارتباط بسن معينة، والتي متى توافرت حلّ للفرد الزواج، وإن كان لم يبلغ من العمر 18 عامًا، وهذا القانون فيه تقييد وتحريم لما أحل الله، ولا يستطيع أحد أن يحرِّم ما أحلَّ الله. وإذا قيل بأن للحاكم أن يقيد المباح، فإن الزواج قد يكون واجبًا شرعًا على من يخشى الوقوع في الفاحشة، ولو كان قبل الثامنة عشر. فهل يمكن للحاكم أن يقيد الواجب، أو يحرم الحلال؟

 3- إدماج الحوامل من المراهقات في التعليم النظامي:

 يتجلى في هذا البند قمة العبث والتناقض الواضح والمريب، ففي الوقت الذي يحظر فيه الزواج أو حتى الخطبة قبل الثامنة عشر في المادة (21) من الاتفاقية، نجدها تطالب الحكومات باتخاذ كافة الإجراءات المناسبة لضمان مواصلة الطفلات الحوامل لتعليمهن في المادة (11)، فكيف يصبحن حوامل رغم منع الزواج قبل الثامنة عشر؟! وكأن في ذلك تشجيع للفتيات على إقامة العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج!

 4- حماية الخصوصية:

  تعطي الثقافة الغربية كافة أشكال الحريات للطفل (ما دون الثامنة عشرة)، فإذا ما تدخل أبواه لتربيته وتقويمه، أوقفهما فوراً عن طريق الخط الساخن أو خط نجدة الطفل، فتأتي الشرطة لتلقي القبض على الوالد الذي تجرأ، وأعطى نفسه حق الاعتراض على سلوك ابنه؛ ليلقى العقاب، ثم ليُنزع منه ابنه، ويودع لدى إحدى المؤسسات أو الأسر البديلة، على افتراض أنها أكثر حرصاً عليه من أبويه!

 وها هي المادة (10) التي تم رفع التحفظ عنها، تطالب بأن يُترك للأطفال الاستقلالية لتكون حبالهم على الغارب، وألا يتدخل الآباء أو الأوصياء القانونيون في حياة الطفل، بل للطفل الحق في اللجوء للقانون ضد هذا التدخل.

 وهذا يثير تساؤلاً عجيباً: أيُعقل أن يكون الأب هو سبب وجود الابن في الدنيا، ويكون الولد هو سبب رحيل الأب عن الدنيا مقهوراً إذا ما رأى ابنه أمام عينيه، ويعجز عن تقويمه، وإذا ما حاول تقويمه، ألقى به الابن في السجن ليلقى مصيره؟ وهل الدولة بمؤسساتها للرعاية البديلة أرحم من الوالد بولده؟ فهذا منافٍ تماماً للفطرة، فالله تعالى وضع في قلب الوالدين من الشفقة على ابنهما ما لا يملكه أي إنسان آخر على الإطلاق.

 لقد أعلى الإسلام من قيمة العلاقات بين أفراد الأسرة، وتأديب الابن واجب على الأب، بما يضمن كونه فرداً صالحاً في المجتمع، أما ترك الأمور على إطلاقها دون قيود أو حدود، فالمنطق يقضي بأن الحرية المطلقة فساد مطلق، فلا بد أن تكون هناك ضوابط، ولا يمكن القول بأي حال من الأحوال أن نجعل الابن رقيباً على والديه من ناحية تقدير إحسان معاملته من إساءتها، في الوقت الذي يقول فيه تعالى: {وقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إلا إيَّاهُ وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا وقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}، وفي آية أخرى يقول تعالى ناصحاً الأبناء: {وإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً}.

 قد تكون هناك بعض الممارسات السيئة من قبل بعض الآباء لفقر أو انحراف عن الجادة، وهنا يأتي دور الدولة والمجتمع بأن تقّوم هذه الأسرة، وأن تساعدها على تجاوز هذا العجز، حتى تعود إلى دورها الذي يقرر الحق والواجب، لا أن تسلب منها هذا الحق لأدنى ملابسة يحيط بها الهوى.

 والإشكالية الأخطر تكمن فيما بعد ذلك، فهذا التشريع يعقبه إجراءات تتخذها الدولة، كما حدث في البلدان الأخرى، فالطفل الرافض لتدخل أبويه ينبغي توفير خط ساخن يمكنه من الشكوى لتأت الشرطة في الحال، كما يتطلب الأمر إعطاء صلاحيات للجيران والأصدقاء المحيطين بالطفل للإبلاغ –أيضاً- إذا ما شاهدوا أي تدخل، وإلا وقعوا هم تحت طائلة العقوبات، وهكذا رويدا رويداً يتحول كل أفراد المجتمع إلى (بصاصين)، حتى وإن كانوا غير (ذي صفة)، خوفاً ورعباً من عقوبة تنتظر من يعلم ولا يبلغ. فهل يتمتع المجتمع بالأمن الاجتماعي حينئذ؟

 ألا يفتح هذا الباب لكل كائد أو حاقد أن ينتهز الفرصة لتصفية الحسابات؟ ألا يغري ذلك بعض الناس بالقفز على خصوصيات البعض الآخر، فيحل الخصام محل الوئام؟

 الخلاصة:

 إذا كانت تلك الاتفاقيات الدولية، وكذلك الاتفاقيات الإقليمية التي نُسجت على منوالها، تلائم المجتمعات التي أفرزتها؛ لما يسود تلك المجتمعات من روح الصراع والفردية والأنانية، فهي بالتأكيد بعيدة كل البعد عن روح المجتمعات الإسلامية، فلن يبتسم الأب إذا ما اصطحب الشاب صديقته أو الفتاة صديقها إلى المنزل، متمنياً لهما قضاء وقت ممتع، بل ستحدث كوارث لن تتحملها هذه المجتمعات التي لا تملك رفاهية خيار الانحراف، حيث الفقر والمجاعات والأمراض والتشرُّد والأمية والجهل. وجميعها أزمات واحتياجات إنسانية أساسيَّة كرَّسها الاستعمار قرونًا، ومن ثم هي بأمس الحاجة إلى العمل الجاد للنهوض بها.

 إن سيل التعديلات المقترحة في التشريعات والقوانين التي نفاجأ بها في منطقتنا كل يوم ليست –للأسف- نابعة من الشريعة الإسلامية، التي نصت عليها الدساتير، وإنما مرجعيتها الاتفاقيات والقوانين الدولية، التي وقعنا عليها منذ سنين مضت، والتي بموجبها صارت الاتفاقيات ثابتاً، والتشريعات المنبثقة من الشريعة متغيراً ينبغي العبث بأحكامها لتتواءم مع ثابت الاتفاقيات؛ لذا ندعو كل مخلص حريص على وطنه ودينه أن يطالب بإعادة النظر في هذه الاتفاقيات، التي ترسم لأطفال الأمة مستقبلاً مظلماً، ومصيراً مجهولاً، لا يعلم مداه إلا الله.

 ________________________

 * المصدر: مجلة المجتمع، 9/12/2020، بتصرف يسير.

(1) السودان يسحب تحفظات على ميثاق حقوق الطفل ويمنع الزواج دون سن الـ18، موقع سودان تربيون، 21/11،2020. 

 (2) تقرير السودان الثالث والرابع المقدم للجنة الدولية لحقوق الطفل حول إنفاذ الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، نوفمبر 2007.

 (3) انظر: الميثاق الأفريقي لحقوق ورفاهية الطفل 1990، جامعة منيسوتا، مكتبة حقوق الإنسان.

 (4) رشدي عبده حسنين، سيكولوجية النمو "الطفولة"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 1980م.

 (5) محمد رمضان أبو بكر، الطفولة في الاتفاقيات الدولية والمحلية، جامعة الأزهر، كلية الدعوة الإسلامية،2003. ص4.

 (6) سورة  الروم، الآية.54

 (7) لمزيد من التفاصيل الفقهية حول أدلة الجمهور، انظر: محمد رمضان أبو بكر، الطفولة في الاتفاقيات الدولية والمحلية، مرجع سابق، ص 5: 13.

 (8) سورة النور، الآية 59.

 (9) يقول تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2020: ".. وبموجب الاتفاقيات الدولية يُعد زواج الأطفال قسرياً طالما كان الطفل دون 18؛ لأنه يُعد حينئذ غير قادر على مشيئة الزواج". انظر: صندوق الأمم المتحدة للسكان، حالة سكان العالم 2020، " تحدي الممارسات التي تضر بالنساء والفتيات وتُقوض المساواة "، ص25.

 (10) متفق عليه.


التعليقات