العلامة محمد البشير الإبراهيمي الرمز الحي لكفاح الجزائر

الشيخ محمد البشير الابراهيمي ١٨٨٩-١٩٦٥ هو ثاني اثنين (مع الشيخ عبد الحميد بن باديس) يمثلان الزعيمين الروحيين للجزائر المعاصرة فهو زميل بن باديس، وشريكه، ونائبه، ثم خليفته في رئاسة جمعية العلماء المسلمين، وهما صاحبا الأفكار الحقيقية التي كافحت لتخليص الشعب الجزائري من الاستعمار الفرنسي ومن الاستعمار الثقافي الذي فرضته فرنسا، وقد نظّما الحرب على الخرافات في الدين، وعلى التغريب في التعليم ونشرا المدارس والمساجد وروح الولاء والثورة والنهضة، كما طالبا باستقلال القضاء الإسلامي في الأحوال الشخصية، وبعدم تدخل الحكومة في تعيين الموظفين، وقد أصبح الشعب الجزائري، بفضل جمعية العلماء مؤهلا سياسا وفكريا للاستقلال والحرية.

نسبه
هو محمد البشير بن محمد السعدي بن عمر بن محمد السعدي بن عبد الله بن عمر الإبراهيمي"، ولد يوم 13 جوان عام 1889م في أولاد إبراهم (حاليا بلدية تابعة لدائرة رأس الوادي – ولاية برج بوعريريج، الجزائر).

مكانته التاريخية

أبدأ التعريف بقيمة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد البشير الابراهيمي بلقطات سريعة تدلنا على مكانته في تاريخ أمته العربية المسلمة، وفي تاريخ وطنه الجزائر.

اللقطة الأولى

 أنه ولد مع الأستاذ عبد الحميد بن باديس في العام نفسه 1889 وهو العام الذي بنيّ فيه برج إيفل، وقد قيل إن هذا البرج شانه شأن كل المنشآت المعدنية والديكورات البارزة في الحضارة الفرنسية الحديثة قد استمد خامته من حديد الجزائر، ومن ناحية أخرى فإنه يمكن لنا القول بأن وعي الاستاذين محمد البشير الابراهيمي وعبد الحميد بن باديس قد استمد وجوده من ظلم الجزائر والجزائريين على يد الفرنسيين.

اللقطة الثانية

هي أن الأستاذ محمد البشير الابراهيمي عاش ربع قرن بعد وفاة الأستاذ عبد الحميد بن باديس وأن هذا الربع قرن هو الذي شهد تصاعد ذروة ثورة الجزائر حتى حققت هذه الثورة العظيمة جلاء الفرنسيين عن أرض الجزائر، وقد قدر لهذا العلامة الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي أن يشهد هذه الفرحة قبل أن يموت، وأمَّ المصلين في مسجد كتشاوة الذي كان قد حُوّل إلى كنيسة، لكنه توفي وهو يشعر بغصة حين رأى العسكريين من أبناء الثورة ينحرفون عن جذور الأصالة في المجتمع التي كانت سببا في تحقيق الانتصار، ومن الإنصاف لهذا الرجل ولتاريخنا أن نشير إلى ما لا يشار إليه من بيانه القاطع في هذا الشأن حين قال بوضوح في بيان له في 1964: "إن الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم يجب أن تنبعث من صميم جذورنا العربية الإسلامية لا من مذاهب أجنبية".

قدرته الفائقة على التآلف
شهدت هذه السنوات الخمسة والعشرون ١٩٤٠-١٩٦٥ قدرة العلامة محمد البشير الإبراهيمي الفائقة على التعاون والتحالف مع كل الجبهات الوطنية من أجل تحقيق الهدف الكبير، ولهذا فإننا إذا أردنا مثالا بارزاً على النجاح في الائتلاف (لا في الاصطفاف فحسب) فإنه يتمثل في الشيخ محمد البشير الابراهيمي الذي كانت مصر العسكرية نفسها تنظر إليه على أنه رمز ولا تتربص به تربصها بالإسلاميين في بلاد الشام، ويعود السبب في هذا القبول إلى طبيعة الجزائريين أنفسهم برغم ما يفخرون به من حدتهم، وإلى رحابة فكر فقهاء المالكية بالرغم أن هذا غير معروف عنهم بما فيه الكفاية، وإلى محمد البشير الابراهيمي نفسه بتكوينه الذي جمع الأدب والفقه والتاريخ على نحو لم يكن يستعلي فيه بفقهه ولا بتدينه ولا بمنهجه على الواقع المعاش في مقاربة قضايا الحياة والمجتمع .

عنايته بأساسيات التحضر والاستقلال

اللقطة الثالثة

 أن الأستاذ محمد البشير الابراهيمي كان في حركته الإصلاحية منشئا لأساسيات التحضر والاستقلال، وكان على سبيل المثال معنيا اشد ما تكون العناية بإنشاء المدارس وبناء المساجد، لأنه كان يعلم أن أولوياته في بناء المجتمع المسلم تقتضي التركيز على هذه التأسيسات المجتمعية التي افتقدتها الجزائر في ظل سطوة الفرنسيين على الشعب الفرنسي ١٣٠ عاما من الظلم والقهر والاستلاب، وفي ظل حرصهم الشديد على فرنسته.
وبهذا تمكن هذا الزعيم الهادئ أن يضيء بيئته من خلال المؤسسات الحقيقية المنتشرة في بلاد شاسعة الأرجاء، وأن يتنامى بهذا الجهد بعيداً عن الانحصار الفكري في العاصمة أو في مراكز محددة للتنوير، ولولا هذا الانتشار الواسع الذي حرص عليه الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي ونجح ما فيه ما تمكنت الجزائر من تحقيق ما حققته من خطوات جبارة في استعادة الذات بعد استقلالها وفي استحضار الوعي بعد المحاولة الدائبة لتغييبه.

ريادته الصحفية
اللقطة الرابعة

 أن الأستاذ محمد البشير الابراهيمي كان من الزعماء الإسلاميين الذين انتبهوا بذكاء بالغ إلى أهمية أن يكون لهم لسان صحفي يحقق لهم ولمن يحبونهم التواصل المنتظم، وقد جعله هذا الجهد رائدا من رواد الصحافة الوطنية المعلمة والملهمة في دأب وانتظام، وقد أبلى بلاء حسنا في جريدته وافتتاحياتها التي جمعت بعد ذلك في كتابه "عيون البصائر".
 


التعليقات