الأسرة بكل مقوماتها (دينيّة، وصحيّة، ونفسيّة ، وماليّة، الخ) ركن ركين من منظومة الإسلام الشاملة، وهي لبنةُ بناءِ المجتمعاتِ ، ولا جدال في أنّ المال في كل أمّة ومجتمع هو عصب الحياة وعمادها، ولعلّ إشارة النبيّ الواضحة في حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عند البخاري [مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ] ترشدنا إلى أهمّيّة هذا العنصر في إيجاد الأسرة ابتداء، وفي بقاءها واستمرارها انتهاء، ولا شكّ أن الشّريعة الإسلاميّة التي بذلت جهدا  فائقا في الحفاظ على المال وجودا وعدما حتى صار أحد مقاصدها الكلية الخمسة، لم تهمل صياغة العلاقة المالية بين أفراد الأسرة على أساس من العدالة الكاملة، وإن لم يكن على أساس المساواة. وينافح هذا البحث عن فكرة محورية وهي أن المال في المفهوم الإسلامي يمثل الخادم لكافة مقاصد الشّريعة وأهدافها، وأن جهود وآليات الشريعة في الحفاظ عليه لا تعني أنه مقصود لذاته، ولا ينبغي أن يتوجه إليه مجردا حكم بالذم أو المدح، وإنما حكمه حكم الآلة إن استخدمت في الخير حلت وأبيحت، وإن في الشر حرُمت ومُنعت، ويستعرض البحث عددا من آليات الشريعة التي استهدفت من خلالها الحفاظ على المال صيانة للأسرة، كمنع السرف، والنفقة الواجبة، والحث على العمل وطلب الرزق، كما يناقش عددا من الضوابط التي تمنع النزاع وتراعي مصلحة الأسرة، كالذمة المالية المنفصلة لكل فرد من أفراد الأسرة، والميراث الذي حددت فيه الأنصبة على نحو قاطع لا يقبل الاجتهاد ولا التنازع. ويهدف البحث إلى بيان حكمة الشريعة وتفردها وسبقها كافة الشرائع الأخرى في تنظيم العلاقة المالية داخل الأسرة بما يحقق استقرارها ويساعد على أداء دورها المنشود.


التعليقات