بابا الفاتيكان يدعو لإقرار قوانين تبيح زواج الشواذ

في فيلم وثائقي بعنوان: (فرانشيسكو(Francesco، دعا بابا الفاتيكان فرانسيس إلى إقرار قوانين الزواج المدني للأزواج من نفس الجنس، قائلاً: "للمثليين جنسيًا الحق في أن يكونوا جزءًا من الأسرة، إنهم أبناء الله، ولهم الحق في تكوين أسرة". وقال في الفيلم عن أسلوبه في )الرعاية الرعوية): "لا ينبغي طرد أحد، أو أن يصبح بائسًا بسبب ذلك". وأتبع قائلاً: "ما يتعين علينا عمله هو تأسيس (قانون اتحاد مدنيcivil union law ).(1) وبهذه الطريقة يتم تغطيتهم قانونيًا.. لقد دافعت عن ذلك"؛ وبهذا ألقى بابا الفاتيكان فرانسيس بثقله مباشرة في مسألة زواج الشواذ، مبتعدًا عن موقف مكتب الفاتيكان العقائدي وأسلافه في هذه القضية.

والفيلم عُرض لأول مرة يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2020م في مهرجان روما السينمائي عن حياة بابا الفاتيكان فرانسيس، ومن المقرر عرضه في أمريكا الشمالية يوم الأحد. ويتناول الفيلم (التوعية الرعوية) لبابا الفاتيكان لأولئك الذين يُعرفون بأنهم من مجتمع الميم؛ وتمثل دعوته المباشرة لــ (قوانين اتحاد مدني (civil union laws تحولًا من منظور أسلافه، وعن مواقفه الأكثر تحفظًا بشأن الاتحادات المدنية في الماضي. (2)

مواقف سابقة للبابا

في عام 2010م، عندما كان فرنسيس رئيس أساقفة بيوينس آيرس، عارض الجهود المبذولة لإضفاء الشرعية على زواج المثليين. وفي كتابه (On Heaven and Earth) الصادر عام 2013م، لم يرفض فرانسيس إمكانية الاتحادات المدنية تمامًا، لكنه قال إن قوانين (استيعاب) العلاقات الجنسية المثلية في الزواج هي "تراجع أنثروبولوجي"، وأعرب عن قلقه من أنه إذا كان الأمر كذلك، فإن "الأزواج المثليين يحصلون على حقوق التبني، وقد يتأثر الأطفال، فكل شخص يحتاج إلى أب ذكر وأم، يساعدان في تشكيل هويته". وفي عام 2014م، صرح المكتب الصحفي للكرسي الرسولي Holly see لوكالة الأنباء المركزية CNA أن البابا فرانسيس لم يعرب عن دعمه للزيجات المدنية من نفس الجنس. (3)

تاريخ الفاتيكان مع زواج الشواذ

في عام 2003م، تحت قيادة الكاردينال جوزيف راتزينغر، وبتوجيه من البابا يوحنا بولس الثاني، كانت تعاليم (مجمع الفاتيكان لعقيدة الإيمان) أن: "احترام الأشخاص المثليين لا يمكن أن يؤدي -بأي شكل من الأشكال- إلى الموافقة على السلوك المثلي أو الاعتراف القانوني بالعلاقات الجنسية المثلية. الصالح العام يتطلب أن تعترف القوانين بالزواج وتعززه وتحميه كأساس للأسرة، الوحدة الأساسية في المجتمع". (4)

وفي عام 2008م، أصدر ممثل الفاتيكان في الدورة الثالثة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الإعلان حول حقوق الإنسان والتوجه الجنسي والهوية الجندرية التي عقدت في (18 ديسمبر 2008م)، إعلانًا جاء فيه: "لا تجد فئات (التوجه الجنسي) و (الهوية الجنسية)، المستخدمة في النص، أي اعتراف أو تعريف واضح ومتفق عليه في القانون الدولي. وإذا كان لا بد من أخذها في الاعتبار عند إعلان وتنفيذ الحقوق الأساسية، فإن ذلك من شأنه أن يخلق حالة من عدم اليقين في القانون، ويقوض قدرة الدول على الدخول في اتفاقيات ومعايير حقوق الإنسان الجديدة والقائمة وإنفاذها. على الرغم من إدانة البيان المشروعة لجميع أشكال العنف ضد المثليين جنسيًا وحمايتهم منها، فإن الوثيقة -عند النظر إليها في مجملها- تتجاوز هذا الهدف، وبدلاً من ذلك تثير عدم اليقين في القانون وتتحدى معايير حقوق الإنسان القائمة. يواصل الكرسي الرسولي الدعوة إلى تجنب كل علامة على التمييز الظالم تجاه المثليين، ويحث الدول على التخلص من العقوبات الجنائية ضدهم". (5)

أي أنه أنكر على استحياء (التوجه الجنسي)، والذي يعني حرية الشذوذ الجنسي، وكذلك (الهوية الجندرية)، التي تعني حرية تغيير جنس الإنسان؛ مبررًا ذلك بأنه ليس هناك اعتراف أو تعريف واضح ومتفق عليه في القانون الدولي، وفي النهاية أكد على ضرورة رفع أي عقوبات جنائية تجاه المثليين!

وفي عام 2012م، قال البابا بنديكت السادس عشر بابا الفاتيكان في خطبة العام الجديد أمام الدبلوماسيين المعتمدين لدى الفاتيكان من حوالي 180 دولة: إن زواج (المثليين) يعد من المخاطر التي تتهدد النظام التقليدي للأسرة، وتقوض (مستقبل البشرية نفسها). وأن تعليم الأطفال بحاجة إلى "أوضاع ملائمة، وأن مكان الصدارة يذهب إلى الأسرة القائمة على زواج رجل وامرأة". وإن "السياسات التي تقوض الأسرة تهدد كرامة الإنسان، ومستقبل البشرية نفسها". وبالمثل، كان مسؤولون في الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية في جميع أنحاء العالم يعارضون التحركات لإباحة زواج (المثليين) في أوروبا وأجزاء أخرى من العالم. (6)

أما في عام 2016م، فقد نشرت صحيفة النيويورك تايمز نقلاً عن رويترز قول فرانسيس بابا الفاتيكان أن على المسيحيين والكنيسة الرومانية الكاثوليكية أن يطلبوا العفو من المثليين على الطريقة التي عاملوهم بها. وأشار إلى تعاليم الكنيسة قائلاً بأنه "لا ينبغي التمييز ضد المثليين". (7)

ردود فعل متباينة

* استنكار الاتحاد الديمقراطي المسيحي:

استنكر الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDF) كلام فرانسيس قائلاً: "إن الاعتراف القانوني بالزواج بين المثليين أو وضعهم على نفس مستوى الزواج، لا يعني فقط الموافقة على السلوك المنحرف، مع ما يترتب على ذلك من جعله نموذجًا في مجتمع اليوم، ولكنه أيضًا يحجب القيم الأساسية التي تنتمي إلى وراثة البشرية. لا يمكن للكنيسة أن تفشل في الدفاع عن هذه القيم لصالح الرجال والنساء ولصالح المجتمع نفسه"، واعتبر الاتحاد الديمقراطي المسيحي أن دعم مثل تلك (الاتحادات) من السياسيين هو أمر خطير جداً وغير أخلاقي قائلاً: "حتى بمعنى مشابه بعيد، لا تحقق الزيجات المثلية الغرض الذي يستحق الزواج والأسرة من أجله اعترافًا قاطعًا محددًا. على العكس من ذلك، هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن مثل هذه (الاتحادات) تضر بالتنمية السليمة للمجتمع البشري، خاصة إذا كان تأثيرها على المجتمع سيزداد". (8)

ولم يرد المكتب الصحفي للفاتيكان على أسئلة وكالة الأنباء المركزية حول تصريحات البابا في الفيلم. في حين أن الأساقفة في بعض البلدان لم يعارضوا طلبات الزواج المدني للمثليين، وحاولوا بدلاً من ذلك تمييزها عن الزواج المدني؛ وقد حذر معارضو تلك (الاتحادات المدنية) منذ فترة طويلة من أنها ستكون بمثابة جسر تشريعي وثقافي لمبادرات زواج المثليين، وإعطاء ضمني للموافقة على الفسق، وعدم حماية حقوق الأبناء في أن يكون لهم أبوين أم وأب. (9)

ومن المتوقع أن تثير تلك التصريحات الجدل بين أنصار المذهب الكاثوليكي، والذين كانوا حتى الأمس القريب من أشد المعارضين للشذوذ الجنسي، ولهم جهود كثيرة في التصدي للوبي الشواذ على مستوى العالم.

* ترحيب الشواذ ومطالبة بالاعتذار:

من جهته قال ألكسندر فوغت -الكاثوليكي ورئيس تمثيل مصالح المثليين في حزب المسيحيين الديمقراطي والاجتماعي- في مقابلة مع وموقع دوتشه فيله: "نحن سعداء، لاسيما وأننا انتظرنا هذه الكلمات فترة طويلة". وأضاف: "أنتظر من البابا بعض كلمات الاعتذار؛ لأن تعاليم الكنيسة الكاثوليكية سببت الكثير من المعاناة والألم في الماضي للكاثوليك المثليين". (10)

استقواء لوبي الشواذ

بدأ نفوذ الشواذ يتنامى في كثير من المؤسسات والمواقع، وأصبح لهم تجمعات خاصة بهم، تزداد قوة خلال العشرين عامًا الأخيرة، وبدأت تدفع ببعضهم لمواقع مؤثرة في صناعة القرار، مثل: البرلمانات والمؤسسات السياسية والاقتصادية والجيش والشرطة والقضاء، وكل المراكز المؤثرة في صناعة القرار في الغرب، حتى أصبحوا يسيطرون على الكثير منها وعلى صناعة القرار بها، وأول ما قاموا به هو تغيير المصطلح من شواذ إلى مثليين، وأجبروا كل وسائل الإعلام في العالم على استخدامه، وأصبح وصفهم بالشواذ يعني الإدانة القانونية لمن يقولها في كثير من الدول، ثم قاموا بتغيير التشريعات التي تسمح لهم بالوجود الرسمي، ثم تغيير التشريعات التي تسمح لهم بالزواج الرسمي المدني، ثم اخترقوا الكنائس وغيروا مواقف الكنيسة من الشذوذ الجنسي، وأجبروا القساوسة على الاعتراف بهم، بل وعقد قران لهم بشكل رسمي في الكنائس.

وآخر ما حصلوا عليه في بعض الدول الغربية هو حق التبني للأطفال، وهو قمة الدمار للفطرة الإنسانية أن ينشأ طفل في بيت بين أبوين من الرجال أو أمين من النساء، والمذهل في المسألة هو الخضوع الكامل لهم ولمطالبهم على كل المستويات في الغرب، والأكثر ذهولاً هو بداية انتشارهم في الدول العربية والإسلامية بشكل لافت، وكأن الفطرة السوية أصبحت هي الشاذة وهؤلاء الشواذ هم الأسوياء، الذين ينبغي على الجميع أن يتقبلهم. والخطير في المسألة هو دورهم في تغيير التشريعات العالمية وصناعة القرار بشكل أصبح أقوى من اللوبيات العالمية التي كانت معروفة من قبل، حتى أن البعض يشبههم الآن بأنهم أقوى لوبي في العالم وأخطره؛ لأنهم باختصار يلعبون على تدمير الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، وبدلاً من علاجهم فإن البشرية الآن تخضع لهم وتنحني لنفوذهم.(11)

الإسلام.. آخر أمل للبشرية

لا شك أن الشذوذ الجنسي مدمر للمجتمعات ومُبيد للجنس البشري، وقد جاء الإسلام لتحقيق مقاصد خمسة، منها (حفظ النسل)، والذي لا يتم إلا بالزواج الطبيعي؛ لذلك نهى القرآن الكريم عن الفحشاء والمنكر {وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل 90]. يقول المفكر الإسلامي سيد قطب: "والفحشاء كل أمر يفحش، أي يتجاوز الحد. ومنه ما خصص به غالباً، وهو فاحشة الاعتداء على العِرض؛ لأنه فعل فاحش، فيه اعتداء وفيه تجاوز للحد، حتى ليدل على الفحشاء ويختص بها. والمنكر كل فعل تنكره الفطرة، ومن ثم تنكره الشريعة، فهي شريعة الفطرة. وقد تنحرف الفطرة أحياناً فتبقى الشريعة ثابتة تشير إلى أصل الفطرة قبل انحرافها. والبغي: الظلم وتجاوز الحق والعدل.

وما من مجتمع يمكن أن يقوم على الفحشاء والمنكر والبغي. وما من مجتمع تشيع فيه الفاحشة بكل مدلولاتها، والمنكر بكل مغرياته، والبغي بكل معقباته، ثم يقوم. والفطرة البشرية تنتفض بعد فترة معينة ضد هذه العوامل الهدامة، مهما تبلغ قوتها، ومهما يستخدم الطغاة من الوسائل لحمايتها. وتاريخ البشرية كله انتفاضات، وانتفاضات ضد الفحشاء والمنكر والبغي. فلا يهم أن تقوم عهود وأن تقوم دول عليها حيناً من الدهر، فالانتفاض عليها دليل على أنها عناصر غريبة على جسم الحياة، فهي تنتفض لطردها، كما ينتفض الحي ضد أي جسم غريب يدخل إليه. وأمر الله بالعدل والإحسان ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي يوافق الفطرة السليمة الصحيحة، ويقويها ويدفعها للمقاومة باسم الله". (12)

وقد كانت أهم قوتين تقفان في مواجهة طوفان الشذوذ الجنسي المدعوم من قبل الحكومات الغربية، وهيئة الأمم المتحدة، هما: الإسلام، والفاتيكان. أما الآن، وبعد إعلان قيادة الفاتيكان أن "للمثليين جنسيًا الحق في أن يكونوا جزءاً من الأسرة"، و"أنهم أبناء الله، ولهم الحق في تكوين أسرة".. فلم يعد أمام عقلاء العالم إلا الإسلام يحتمون به في مواجهة ذلك الطوفان المدمر.

} قَالَ مُوْسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف-128.[

 _____________

 * المصدر: موقع المجتمع، 25/10/2020، بتصرف.

[1] استخدم فرانسيس بابا الفاتيكان العبارة الإسبانية ( (Convivencia civil، والتي تُرجمت في ترجمات الفيلم إلى (اتحاد مدني). وبعد أن قال بعض القساوسة الناطقين بالإسبانية إن الترجمة غير دقيقة، قال رئيس الأساقفة فرنانديز، وهو عالم لاهوت كان مقربًا من البابا منذ فترة طويلة، أن عبارة البابا تعادل إلى حد كبير عبارة (اتحاد مدني). للمزيد انظر:

 CNA Staff, Argentine archbishop and Pope Francis advisor says 'civil union' not mistranslated in documentary, catholicnewsagency.com, Oct 22, 2020.

[2] CNA Staff, Pope Francis calls for civil union law for same-sex couples, in shift from Vatican stance, catholicnewsagency.com, Oct 21, 2020.

 [3] المرجع السابق.

[4] المرجع السابق.

[5]  STATEMENT OF THE HOLY SEE DELEGATION AT THE 63rd SESSION OF THE GENERAL ASSEMBLY OF THE UNITED NATIONS ON THE DECLARATION ON HUMAN RIGHTS, SEXUAL ORIENTATION AND GENDER IDENTITY, 18 DECEMBER 2008, vatican.va.

[6] البابا: زواج "المثليين" خطر على مستقبل البشرية، موقع هسبريس، 10/1/2012.

 [7] Pope Francis Says Church Should Apologize to Gays, The New York Times, June 26, 2016

[8] CNA Staff, Pope Francis calls for civil union law for same-sex couples, in shift from Vatican stance, catholicnewsagency.com, Oct 21, 2020.

[9] المرجع السابق.

[10] البابا فرانسيس ومواقفه المتناقضة من المثلية الجنسية، موقع دوتشه فيله، 23/10/2020.

[11] أحمد منصور، "الشواذ" أقوى لوبي في العالم، موقع الوطن، 15/1/2015.

[12] سيد قطب، في ظلال القرآن، ص 2192.


التعليقات