هل ستدخل أوربا في الإسلام خلال عشر سنوات؟

نشرتْ "الأوبزيرفر" البريطانية أمس(17/2/2017) مقالاً للكاتب سلوين ديوك بعنوان: الإسلام سينتصر في أوربا بلا سيوف، وبلا بنادق، وبلا غزو". وقد استعار كلمات هذا العنوان من تصريح لمعمر القذافي(!) قاله في سنة 2006م.
عندما نقرأ المقال بأكمله يتضح أن عنوانه يدخل ضمن جهود "الإسلاموفوبيا" الذي يمارسه الإعلام الغربي بدأب وإصرار بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى تتصل بالقيم أو بالأخلاق.
كان القذافي قد قالَ كلامه المشار إليه في معرض حديثه عن ارتفاع عدد المسلمين في أوربا إلى 50 مليون مسلم في مطلع القرن الواحد والعشرين؛ إذ قال حينها؛ حسب ما نقله كاتب الأوبزيرفر:" إن هناك مؤشرات على أن الله تعالى سينصر الإسلام في أوربا بلا سيوف، ولا بنادق، ولا غزو، وستتحول أوربا إلى قارة مسلمة خلال عقود معدودة من الزمن". 
وما أذكره هنا ليس ترجمة حرفية لمقال الأوبزيرفر، بقدر ما هو تعريب لأهم ما ورد فيه من أفكار وحجج ساقها كاتبه "سلوين ديوك"، وقصدي أن ألفت نظر القراء الكرام إلى جانب مما يمارسه الإعلام الغربي من جهود تتدثر بالموضوعية ونتائج البحوث الاجتماعية واستطلاعات الرأي العام، بينما تستهدف زيادة مشاعر الكراهية ضد الإسلام والمسلمين وتسعى لمساندة اليمين المتطرف الذي يصعد بقوة في قلب القارة الأوربية(فرنسا، وإيطاليا وبلجيكا ...إلخ)، وفي الولايات المتحدة(ترامب). 
بدأ كاتب الأوبزيرفر مقاله بجملة صرح بها رئيس الأساقفة الإيطالي مونسنيور كارلو لبيراتي لصحيفة كاثوليكية قال فيها "خلال عشر سنوات سوف نصبح جميعاً مسلمين بسبب غباوتنا". وثمة حاجة لمناقشة المونسنيور في السبب هل هو "غباوتهم" أم إن هناك سبباً، أو أسباباً أخرى؟. وعلى أية حال فقد عقب كاتب مقال الأوبزيرفر على تصريح القذافي بأنه كان يتحدث عما يتمناه وليس عما يمكن أن يحدث فعلاً، بينما كان يتحدث المنسينيور بقدر كبير من عدم الدقة. 
ما يلفت النظر هو أن رئيس الأساقفة لبيراتي ألقى باللوم على الأوربيين أنفسهم بسبب أنهم يعتقدون في العلمانية، فعلمانيتهم ــ حسب رأيه ــ هي السبب الأكبر لسرعة انتشار الإسلام. وتتلخص وجهة نظر لبيراتي في: أن التحول للعلمانية سيسبب خروجاً آخر عنها؛ لأنها لا تلبي الحاجة الروحية للبشر، وأن هذا الخروج عن العلمانية سيكون لجهة الإسلام الذي يحمله المهاجرون المسلمون القادمون بكثافة إلى الغرب، ويزيد هذا الاحتمال ما يتمتعون به من خصوبة إنجابية عالية مقارنة بالأوربيين. 
وبعيداً عن تحذيرات لبيراتي، وعن تمنيات القذافي أو أحلامه أيضاً، وبالرجوع إلى  التقديرات الإحصائية الرسمية عن أعداد المسلمين في أوربا، يستعرض كاتب المقال بعض نتائج البحوث والمسوح الاجتماعية. ويستنتج منها أنها توضح أن عدد المسلمين قد وصل في سنة 2010م إلى 44 مليون مسلم، وأن اتجاهات الأحداث لا تدعم تحول القارة إلى الإسلام خلال عدة عقود، ناهيك عن أن تتحول للإسلام خلال عقد واحد كما قال رئيس الأساقفة في تحذيره الصارخ. ومن الحجج التي تؤيد ذلك أن مركز "بيو" للأبحاث(هو مركز أمريكي ذائع الصيت) كان قد أصدر تقريراً في يوليو 2016، وأوضح فيه أن نسبة المسلمين في أوربا ترتفع كل عشر سنوات بحوالي 1% فقط ، حيث ارتفعت نسبتهم  من4% إلى 6% في الفترة من (1990 ـ2010)، وأن هذا المعدل سيستمر حتى سنة 2030، وحينها سيمثل المسلمون حوالي 8% فقط من جملة سكان أوربا. وعليه فإن تخوفات لبيراتي ليست في محلها تماماً، ولا تخرج في رأينا نحن المسلمين عن كونها نوعاً من التخويف من الإسلام واستثارة لمشاعر الكراهية ضد المسلمين في أوربا كما أسلفنا.
رئيس الأساقفة "لبيراتي" أرجع أيضاً سبب تراجع المؤمنين بكنيسته إلى سيادة "العلمانية"، وإلى التدهور الأخلاقي في أوربا، وحذر من أن هذا سيعزز انتشار الإسلام في القارة إلى الدرجة التي يتوقع فيها دخول القارة بأكملها في الإسلام خلال عشر سنوات فقط كما سلف. وهو يرى أن الفراغ الروحي الذي ينجم عن التحول للعلمانية؛ تملؤه مباشرة الدعوة الدينية المتوهجة التي يحملها المهاجرون المسلمون إلى أوربا. 
ولكن أغلب العلمانيين يفندون هذا الرأي بأن "الحداثة العلمانية" سوف تسحق، أو على الأقل تستوعب الأجيال المسلمة الجديدة وتذيبها في أتون العلمنة والحداثة مثلما فعلت في نظيرتها من الأجيال المسيحية. ويرون أن نداء العلمنة يقضي بالعلم والعقل، على "نداء الإيمان"؛ ، وأن المستقبل هو للإلحاد وحده. 
ولكن ثمة وجهة نظر أخرى تذهب إلى أن نتائج البحوث الديمغرافية والاجتماعية لا تؤيد هذا الرأي الذي يتبناه العلمانيون. فهذه البحوث توضح أن الأجيال المسلمة الجديدة في أوربا لديها ميول نحو التدين (وأنهم أكثر تقوى ورغبة في الإيمان بالله) مقارنة بآبائهم، ومن ثم فهم محصنون ضد العلمنة. وعليه فإن هناك سبباً آخر يعمل باتجاه معاكس لسحر العلمنة وجاذبيتها. وخلال العقود القليلة المقبلة سيتجه العالم عموما ليكون أكثر تديناً، وليس أقل تدينا كما يزعم العلمانيون.  وتشير الإحصاءات أيضاً إلى أن المسلمين سيتزايدون بمعدل أعلى مقارنة بأي مجموعة دينية أخرى في العالم. وأن ما يقرب من مائة دولة من دول العالم ــ بما فيها كل الدول الأوربية تقريباً ــ تنخفض نسبة الخصوبة لديها إلى ما دون مستوى الإحلال المتعادل بين المواليد والوفيات، بخلاف معدل الخصوبة المرتفع في مختلف البلدان الإسلامية. وهذه الحقائق كلها تعمل في اتجاه معاكس لما يؤكده أنصار العلمانية المتطرفون. 
مركز بيو (الأمريكي) أجرى بحثاً حول هذه المسألة في أبريل 2016م وتوصل إلى: أن الرقم الإجمالي للذين لا ينتمون لديانة معينة (يشملون: الملحدين، والماديين، أو اللادينيين) من المتوقع أن يرتفع من 1.1 بليون في سنة 2010 إلى 1.2 بليون في سنة 2050، ولكن هذا النمو سيحدث في الوقت نفسه الذي سيزيد فيه عدد الجماعات الدينية بمعدل أسرع، إضافة إلى زيادة السكان في العالم بشكل عام". 
هذه الاستنتاجات التي تأخذ في اعتبارها العوامل الديمغرافية مثل: نسبة الخصوبة، ومتوسط الأعمار المتوقع؛  تشير حسب مركز "بيو" إلى أن الذين لا يتبعون أي دين سوف يشكلون حوالي 13% فقط من سكان العالم في سنة 2050 وهي نسبة أقل مما كانت عليه في سنة 2010 وهي 16%.  وهذا يعزى إلى حد كبير إلى أن الذين لا ديانة لهم هم غالباً أكبر سناً؛ فبموتهم يقل عددهم، وأن لديهم عدداً أقل من الأبناء مقارنة بالذين يعتنقون ديانة معينة، وبافتراض أن أبناءهم سيتبعونهم في موقفهم اللاديني فإن نسبتهم تظل صغيرة. وهذا ما أكده فيليب لونجمان(هو من كبار علماء الديمغرافيا في الولايات المتحدة)؛ حيث يذهب إلى أن معتنقي الأديان لديهم أسر ذات عدد أكبر من الأبناء، مقارنة بغير المتدينين. بينما الأسر التي ليس لديها أطفال أو ذات الطفل الواحد دائماً هي التي تعتبر نفسها غير مؤمنة بإله أو هي بلا دين بصفة عامة. ويرى أن المتدينين في طريقهم لوراثة المجتمع بشكل تلقائي وطبيعي عبر العالم. هذا ما قاله فيليب لونجمان الذي يصف نفسه بأنه غير كنسي/ليس متديناً. ويرى أيضاً أن إجمالي سكان الغرب سوف ينخفض أو يثبت في أفضل التقديرات  لمدة معينة، ولكن الذين سيبقون لن يكونوا بالضرورة من المؤمنين بالله أو بالأسرة حسب التعاليم الدينية. والحاصل هو: أن الغربيين يتناقصون بمعدل مرتفع، والمهاجرون/المسلمون يتزايدون بمعدل مرتفع.
ينتهي كاتب الأوبزيرفر إلى أن التقارير التي تتحدث عن موت "الدين" هي تقارير تحمل قدراً كبيراً من المبالغة. وأن كثيرين ممن يرون أن المعركة في الواقع هي بين العلمانية والدين مخطئون، وأن الذين يؤكدون أن المستقبل سيكون للعلمانية وحدها هم واهمون؛ لأن المستقبل سيكون، مثلما كان في الماضي هو: متى سيسود الدين وأين؟. 
هذا نمط من الكتابة التي تغص بها وسائل الإعلام الغربية. وعلينا أن ننتبه إليها، وأن ندقق فيها كي نميز بين ما يبدو أنه موضوعية وحيادية، وما هو من قبيل الاستثارة لمشاعر الخوف من المسلمين الوتحريض ضد وجودهم سواء في بلادهم التي يعانون فيها من الاستبداد والظلم، أو في مهاجرهم إلى المجتمعات الأوربية والأمريكية(الحرة) التي يعانون فيها الإقصاء والحرمان والاستبعاد.  


التعليقات