هل يجوز شرعاً للأجهزة الأمنية قتل المتظاهرين السلميين بحجة تنفيذ الأوامر وطاعة ولي الأمر وحفظ النظام؟

هل يجوز شرعاً للأجهزة الأمنية قتل المتظاهرين السلميين بحجة تنفيذ الأوامر وطاعة ولي الأمر وحفظ النظام؟يحدث ويتكرر، وخاصة في بعض الدول العربية والإسلامية، أن عناصر من الجيش ومن الأجهزة الأمنية للدولة، تطلق النار على المتظاهرين السلميين، فتقتل بعضهم وتصيب بعضهم، وذلك بحجة تنفيذ الأوامر وطاعة أولي الأمر، وحفظ النظام والأمن العام..

فهل يجوز هذا شرعا؟

 وهل إقدامهم على قتل المتظاهرين، أو إصابتهم بجروح وعاهات، بواسطة السلاح الناري، سواء فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم، أو طاعة لرؤسائهم، أو بدعوى حفظ الأمن، أو بدعوى الدفاع عن النفس، هل ذلك يبرئ ذمتهم، ويعفيهم من المسؤوليات المدنية والجنائية، الدنيوية والأخروية؟

ما قولكم رحمكم الله ونفع بكم؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وبعد.

الجواب عن السؤال هو أن أي اعتداء بقتل أو جرح على المتظاهرين السلميين أمر محرم

لأن حفظ النفس من القواطع التي جاء بها التشريع الكريم

نصوصا ومقاصد.   

1_ {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]

 العلة المعلق بها الحكم في هذه الآية هي العمدية وتحقق العمدية بآلة قاتلة على مسالم

والمتظاهر مسالم وقاتله بآلة القتل متحقق فيه العمدية الواضحة.

فشمله هذا الوعيد

2_ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178]

وهذه فريضة مكتوبة واجبة التنفيذ كما يفيده لفظ كتب وعامة في كل القتلى كما يفيده عموم ال..

ولم يخص الشرع منه إلا قتل الخطأ فلا قصاص فيه وخص منه قتال الباغي من الفئتين بعد الصلح..

فمن تعمد قتل متظاهر سلمي فمتحقق فيه فرض هذه الآية وهو القصاص ومن تعلق بما ينقض هذا الأصل من التوهمات فقد ارتكب جرما عظيما إلى جريمة القتل وهو تحريف معاني النصوص وتخصيصها وتأويلها بطوارف الأهواء

فعموم قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا)

يشمل قتل المتظاهرين السلميين بلا شك

ويجري فيه القصاص المفروض بقوله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى وفي قولع تعالى ولكم في القصاص حياة

وفي قوله تعالى: (النفس بالنفس)،

وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن دماءكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)

والنصوص في الباب كثيرة بالغة حد القطع

ولم يأت نص باستثناء صورة في العمد ولا تخصيصها إلا

إلا في حالة دفع الصائل عن نفس أو عرض.

ومعلوم أن الصائل هو المعتدي القاصد العدوان على النفس أو المال أو العرض

وهذا المناط ليس في المتظاهرين ولا في أهدافهم ولا مطالبهم

سواء في البلدان التي تقنن حق التظاهر السلمي أو التي تمنعه

لعموم عصمة النفس وحرمة الدماء

وقد أصبح التظاهر عرفا عالميا بل وتشريعا دستوريا وقانونيا

فالحاكم حين يتولى إنما يتولى بعقد فيه اشتراطات معلومة منها حقوق الشعب في التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي

فإن اعتدى على المتظاهرين فقد أخل بالعقد وأهدر النفس المعصومة فارتكب جنايتين

جناية متعلقة بالعقد الدستوري وجريمة جسيمة متعلقة بهدر الدماء وعصمة الأنفس والأموال والأعراض

 

3_ من أمر من الشرطة والجنود بقتل المتظاهرين أو العدوان عليهم

فلا يجوز له أن يطيع في ذلك ..

وذلك لأن طاعة الدولة إنما هي طاعة تبعية مشروطة

وطاعة ولي الأمر طاعة تبعية مشروطة

وطاعة الله ورسوله هي الأصل وهي طاعة مطلقة

فلا تعارض أصلا بين طاعة الله ورسوله مع طاعة الولاة

لأن التابع لا يعارض الأصل

بل يسقط مباشرة عند التعارض

فطاعة الحكام تسقط عند تعارضها من نصوص الشرع وقواطعه

ولهذا قعد الفقهاء قواعد شرعية للطاعة فمما لا خلاف فيه:

«أن طاعة الإمام لا تجب على الخلق إلا إذا دعاهم إلى موافقة الشرع» ( ).

دل على هذا نصوص كثيرة منها: ما في صحيح مسلم (3/ 1469)

عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة»،

 وأخرج مسلم (3/ 1468) عن أم الحصين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع " إن أمر عليكم عبد مجدع - حسبتها قالت: أسود - يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا"

فشرط الطاعة هو أن يقود الناس بكتاب الله فما خالف كتاب الله من التشريعات أو الأوامر فهي باطلة لا طاعة لأحد فيها.

فعقد الولاية شرطه الأمر وفق أمر الشرع والوقوف حيث وقف الشرع فمن نقض ذلك فلا طاعة له لأنه نقض الشرط الموجب لها.

وهذا ما يقوم عليه العقد السياسي في الإسلام وما إليه ذهب كافة العلماء فـ "إنهم لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يجوزون طاعته في معصية الله، وإن كان إماماً عادلاً"( ).

ولهذا نص ابن عبد السلام أنه لا طاعة لجهلة الملوك والأمراء حتى يعلم أنه موافق للشرع

وذلك لأن هؤلاء تختلط أوامرهم، وأقوالهم بالحق، والباطل، وقد جاء في الحديث: «اتخذ الناس رؤساءً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»( ).

فطاعة هؤلاء الجهلة على إطلاقها ضلال، بل لابد من معرفة موافقتها للشريعة حتى إذا علم موافقتها للشريعة أطيع وإلا فلا.

قال العز «لا طاعة لجهلة الملوك والأمراء إلا فيما يعلم المأمور أنه مأذون في الشرع» ( ).

بل شدد فقهاء المذاهب الأربعة حتى في المسائل التي فيها خلاف سائغ لكن المأمور يرى الحرمة

فقالوا لا يجوز له الإقدام عليه ولو أمره السلطان وإلا فإنه يتحمل المسؤولية والتبعة.

قال فقهاء الشافعية: أن من استدعاه السلطان الحنفي أن يشهد أن فلاناً المسلم قتل فلاناً الذمي أنه «ليس له أن يشهد عند حنفي على مسلم بقتل كافر؛ لأنه يقتل به» ( ).

وكذلك لو أمر القاضي الحنفي الجلاد أن يقتل ذلك المسلم لأجل قتله الكافر والجلاد شافعيٌ فلا تجوز له طاعته «وحرم عليه، وقُتِل به وضمنه» ( ).

وكذلك لو أمره السلطان بقتل رجل يرى السلطان استحقاقه للقتل، والمأمور لا يرى ذلك.

فقتله استحق القصاص فيقتل المأمور قصاصاً؛ لأنه غير معذور ( ).

وفي الفقه الحنبلي: «لو أمر السلطان أحداً أن يقتل مسلماً قَتَلَ ذميَّاً أو حراً قتل عبداً والسلطان يراه في مذهبه، والمأمور يرى عدم حله فليس عليه طاعة.

ولو أطاعه فهو آثم ضامن، وإن كان العكس ضمن السلطان» ( ).

وفي المذهب المالكي: «إن دعاك جائر إلى قطع يد رجل في سرقة، وأنت لا تعلم صحة ذلك إلا بقوله، فلا تجب إلا أن تعلم عدالة البينة فعليك طاعته لئلا تضيع الحدود» ( ).

وفي المذهب الحنفي: في الفتاوى الهندية «وإذا ادعت المرأة على زوجها أنه أبانها بثلاث أو بواحدة فجحد الزوج فحلفه القاضي، فإن علمت أن الأمر كما قالت لا تسعها الإقامة معه، ولا أن يأخذ ميراثها» ( ).

فهذه النقول في المسائل السائغ فيها الخلاف فكيف بما لا يسوغ فيها خلاف كقتل مسلم مسالم خرج متظاهر لا معتديا ولا خارجا بقتال ولا مخالف لدستور ولا لقانون فهذا لا تأويل لأحد في قتله أو جرحه

 

4_ لا عذر لأحد بالإكراه في الدماء

وقد يقول قائل إن الجندي مكره في القتل فالجواب لا إكراه في القتل بإجماع العلماء حتى لو كان الإكراه ملجئا وهدد الجندي في نفسه أو في عرضه أو بحبسه أو فصله فلا يجوز له الاقدام على القتل

قلت هذا إن قلنا أن المسألة فيها إكراه ملجيء وإلا فالحق أن الجندي لا يكره إكراها ملجئا فغاية ما يصنع بمن خالف الأوامر أن يفصل أو يعاقب بالسجن ثم يخلى سبيله.

ولا يعتبر هذا من الإكراه الملجئ

ولو فرضنا أنه أكره إكراها ملجئا فلا عذر له بإجماع

قال ابن العربي: لا خلاف بين الأمة أنه إذا أكره على القتل، أنه لا يحل له أن يفدي نفسه بقتل غيره، ويلزمه الصبر على البلاء الذي نزل به. اهـ. أحكام القرآن للقاضي ابن العربي المالكي"(3/ 160):

ومن قواعد الشريعة العظيمة لا يزال الضرر بالضرر

ومن فعل ذلك فعليه القصاص وقد ارتكب موبقة جسيمة من كبائر الذنوب ، قال الإمام الشافعي في الأم:

ولو أن المأمور بالقتل كان يعلم أنه أمره بقتله ظلما كان عليه وعلى الإمام القود وكانا كقاتلين معا انتهى 

وفي حالة الإكراه الملجئ لو أقدم الجندي على قتل المتظاهر فقد أفتى مالك بالقصاص عليه وعلى من أكرهه وهذا مذهب الحنابلة وقال به الشافعي على تفصيل وقال أبو حنيفة يقتل من أكرهه 

فإن كان هذا التشديد في حالة الإكراه الحقيقي الملجيء ففي الحالات الأخرى القصاص بلا خلاف

والحقيقة أن واقع تصرفات الشرطة والجهات الأمنية والجيش في قمع المتظاهرين لا يدخل تحت الإكراه الملجئ بل هو من البغي والعدوان الموجب للتجريم والتأثيم والقصاص

ولا ينفع هنا جهل فتحريم قتل النفس المعصومة والعدوان عليها معلوم من الدين بالضرورة فلا يعذر أحد بجهله

والحاصل أن العدوان على المتظاهرين بقتل أو جرح تحت أي ذريعة محرم شرعا يلزم منه الضمان لعموم الأدلة القاضية بذلك ولم يأت في الشرع ما يدل على استثناء شيء من ذلك ولا على الترخيص في طاعة الأوامر الصادرة من الجهات الأمنية بقتل متظاهر فمن أقدم على ذلك فقد ارتكتب جريمة جسيمة وحمل في عنقه دم مسلم ولزم فيه القصاص.

د. فضل مراد

بالله التوفيق


التعليقات