من أحكام الخطبة في الإسلام (2)

أولا: الفرق بين الخطبة والزواج:

الخطبة لغة وعرفًا وشرعًا شيء غير الزواج، فهي مقدمة له، وتمهيد لحصوله، فكتب اللغة جميعًا تفرق بين كلمتي الخطبة والزواج، والعرف يُميِّز جيدًا بين رجل خاطب ورجل متزوج.

والشريعة فرَّقت بين الأمرين تفريقًا واضحًا، فالخطبة ليست أكثر من إعلان الرغبة في الزواج من امرأة معينة، أما الزواج فعقد وثيق، وميثاق غليظ، له حدوده وشروطه وحقوقه وآثاره.

وقد عبر القرآن عن الأمرين، فقال في شأن النساء المتوفَّى عنهن أزواجهن: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}[البقرة:235].

ومهما يصاحب الخطبة من مظاهر الإعلان فإنها لا تزيد عن كونها تأكيدًا وتثبيتًا لشأنها، ولا يترتب عليها على أية حال أي حق للخاطب، إلا حظر المخطوبة عن أن يتقدم لخطبتها غير خاطبها، كما في الحديث الذي ذكرناه: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه"([1]).

والمهم في هذا المقام أن المخطوبة أجنبية عن الخاطب حتى يتم زواجه بها، ولا تنتقل المرأة إلى دائرة الزوجية إلا بعقد شرعي صحيح، والركن الأساسي في العقد هو الإيجاب والقبول، وللإيجاب والقبول ألفاظ معهودة معلومة في العرف والشرع.

وما دام هذا العقد- بإيجابه وقبوله- لم يتحقَّق، فالزواج لم يحدث، لا عرفًا، ولا شرعًا، ولا قانونًا، وتظل المخطوبة أجنبية عن خاطبها، لا يحل له الخلوة بها ولا السفر معها دون وجود أحد محارمها كأبيها أو أخيها، فضلًا عما هو فوق الخلوة والسفر!

ومن المقرر المعروف شرعًا أن العاقد إذا ترك المعقود عليها دون أن يدخل بها يجب عليه نصف مهرها، قال تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}[البقرة:237].

أما الخاطب إذا ترك المخطوبة بعد فترة طالت أو قصُرت فلا يجب عليه شيء، إلا ما توجبه الأخلاق والتقاليد من لوم وتأنيب، فكيف يمكن- والحالة هذه- أن يباح للخاطب ما يباح للعاقد سواء بسواء؟

وننصح الآباء والأولياء أن يكونوا على بصيرة من أمر بناتهم، فلا يفرِّطوا فيهن بسهولة باسم الخطبة، والدهر قُلَّب، والقلوب تتغير، والتفريط في هذا الأمر قد يكون وخيم العاقبة، والوقوف عند حدود الله أحق وأولى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[البقرة: 229]. {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}[النور:52].

الرجوع عن الخطبة وما يترتب عليه:

الخطبة- كما بينا- ليست إلا وعدًا بالزواج، الهدف منه أن يتعرَّف كل من الخاطب والمخطوبة إلى الآخر، وطباعه وصفاته، ليكون على بيِّنة من أمره، هل يُتمُّ أمر الزواج أو لا يتمه؟ لأن الزواج عقد حياة، من المصلحة التأني فيه، وإعطاء النفس فرصة التفكير والاستشارة قبل إبرامه.

والخِطبة بإجماع الفقهاء ليست ملزمة، ومعنى ذلك أن لكل طرف من طرفيها- أو لهما معا- مطلق الحرية في الرجوع فيها.

لكن قد ينشأ عن عدول أحد طرفي الخطبة ضرر يلحق الطرف الآخر، ((فقد ينال المرأة ضرر بسبب عدول الرجل؛ لأنها أعدت الجهاز- مثلا- فهل يغرم العادل [أي: الراجع في الخطبة] من ماله عوضًا للأضرار المالية وغير المالية؟

لقد أجاب عن ذلك بعض رجال الفقه بأنه لا يسوغ، وليس لقاضٍ أن يحكم به؛ لأن العدول حق للخاطب والمخطوبة، بلا قيد ولا شرط، ولأن العادل بحكم الفقه والقانون يسترد هداياه، فكيف يغرم مالًا؟! ولأن الذي وقع في الضرر من الطرفين يعلم أن الطرف الآخر له العدول في أي وقت شاء))([2]).

لكن الشيخ محمد أبو زهرة يفرِّق بين الضرر الناتج عن مجرد العدول عن الخطبة، والضرر الذي للخاطب أو للخاطبة دخْلٌ فيه غير العدول عن الخطبة، كأن يطلب نوعًا من الجهاز، أو تطلب هي إعداد المسكن، ثم يكون العدول والضرر، فالضرر نزل بسبب عمل من جانب العادل، قال: ((وعلى هذا يكون الضرر قسمين: ضرر ينشأ وللخاطب دخل فيه غير مجرد الخطبة والعدول. كالمثالين السابقين.

وضرر ينشأ عن مجرد الخطبة والعدول من غير عمل من جانب العادل. فالأول يعوض، والثاني لا يعوض، إذ الأول كان تغريرًا، والتغرير يوجب الضمان، كما هو مقرَّر في قواعد الفقه الحنفي وغيره، وفي قضايا العقل والمنطق، وقد أخذت بهذا محكمة النقض - نقض مدني 14 ديسمبر سنة 1939))([3]).

وهو ما نميل إليه، خصوصًا إذا كان العدول عن الخطبة عن غير تقصير من الطرف الآخر، إذ قد يشترط الخاطب على المخطوبة- أو على وليِّها - كُلفة حفل الخطبة - أو ما يسمى في بعض البلدان (قراءة الفاتحة)- وقد يشترط أن يكون في فندق معين، أو مكان معين، أو قد يشترط عليهم بعض الأثاث والأدوات المنزلية، وتتكلف المرأة ووليها هذه التكاليف على اعتبار أن الزواج سيتم، ثم يعدل الخاطب عن الخطبة لأي سبب من الأسباب، فنقول هنا: إن عليه أن يعوض المرأة أو وليها عن هذه الأضرار المترتبة عن العدول، والخسائر الناجمة عن تراجعه.

وقد يكون العدول من جانب المرأة بعد أن اشترطت- أو اشترط لها وليُّها- شروطًا تتعلق بالمسكن أو الأثاث أو أحفال الخطبة وما يتبعها، من غير تقصير من جانب الخاطب، فنقول هنا: ينبغي على المرأة أو وليها أن يعوض الخاطب عما غرم.

وهذا ما استقرت عليه المحاكم المصرية، وتبعها في ذلك المحاكم العربية، يقول السنهوري باشا: ((والذي يمكن تقريره في هذا الشأن باعتبار أن القضاء قد استقر عليه هو ما يأتي:

  • الخطبة ليست بعقد ملزم.
  • مجرد العدول عن الخطبة لا يكون سببًا موجبًا للتعويض.
  • إذا اقترن بالعدول عن الخطبة أفعال أخرى ألحقت ضررًا بأحد الخطيبين، جاز الحكم بالتعويض على أساس المسؤولية التقصيرية.

وقد قرَّرت محكمة النقض أخيرًا هذه المبادئ في حكم لها جاء فيه ما يأتي:

إن الخطبة ليست إلا تمهيدًا لعقد الزواج، وهذا الوعد بالزواج لا يقيِّد أحدًا من المتواعدَيْن، فلكلٍّ منهما أن يعدل في أي وقت شاء، خصوصًا أنه يجب في هذا العقد أن يتوافر للمتعاقدين كامل الحرية في مباشرته، لما للزواج من الخطر في شؤون المجتمع، وهذا لا يكون إذا كان أحد الطرفين مهدَّدًا بالتعويض. ولكن إذا كان الوعد بالزواج والعدول عنه- باعتبار أنه مجرد وعد فعدول- قد لازمتهما أفعال أخرى مستقلة عنهما استقلالًا تامًّا. وكانت هذه الأفعال قد ألحقت ضررًا ماديًّا أو أدبيًّا بأحد  المتواعِدَيْن، فإنها تكون مستوجِبة التضمين على مَن وقعت منه، وذلك على أساس أنها في حدِّ ذاتها– بغض النظر عن العدول المجرَّد- أفعال ضارَّة موجِبة للتعويض))([4]).

__________________________________

 ([1]) مسند الإمام أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة،  جـ 16 صـ 35  رقم 9951

([2]) الأحوال الشخصية، للإمام محمد بن زهرة ص36، دار الفكر العربي، ط الثانية 1950م. وسيأتي نص حكم محكمة النقض فيما نقلناه عن السنهوري باشا.

([3]) المصدر السابق ص37.

([4]) نقض مدني في 14 ديسمبر سنة 1939 مجموعة عمر 3 رقم 14 ص 30 - (الوسيط في شرح القانون المدني) للسنهوري (1/830) فقرة 550، دار إحياء التراث العربي-  بيروت، لبنان.


التعليقات