الفضيلة والفلاح من مقاصد الأخلاق الإسلامية

ومن أهداف الخُلقيَّة الإسلامية:

تحقيق الفضيلة لذاتها:

بمعنى أن يكون الإنسان فاضلًا خيّرًا، أو بتعبير القرآن: (زاكيًا طاهرًا)، بغضِّ النظر عمَّا وراء هذه الزكاة والطهارة مِن نفع دنيويٌّ، أو فلاح أخرويٌّ.

ومن أجل هذا: نجد في القرآن بعد الوصايا والأوامر والنواهي الإلهيَّة مثلَ هذه العبارات: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ}[البقرة:54]. أو: {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ}[البقرة:232]. أو {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}[النور:30]. لا يزيد على هذه العبارات الأخلاقيَّة، ممَّا يدلُّ على أن تحقيق هذه الزكاة والطهارة أمر مطلوب لذاته.

اقرأ قول الله تعالى في سورة النور في آداب الزيارة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}[النور:27-28].

فالله سبحانه في هاتين الآيتين يأمر المؤمنين برعاية هذه الآداب؛ لأنها (خير لهم)، وأنها (أزكى لهم)، لا لأنهم يربحون من ورائها ذهبًا أو فضةً، وكفى بهذا الخير وتلك الزكاة كسْبًا لقوم يعلمون أنَّ الحياة لا تقاس بالمادة وحدها، ولا بالمنفعة فقط.

ولقد وجدنا في الصالحين من المسلمين مَن يحرص على تحقيق هذه الزكاة النفسيَّة، بأن يستأذن على قوم، فيردُّوه ويقولوا له: ارجعْ. فيرجع راضيَ النفس، قرير العين، بما حصَّل من زكاة لنفسه. ويقول بعضهم: ظللْتُ سنين أطلب تحصيل فضل هذه الآية، فلم أحصِّلها: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ}[النور:28].

وفي السياق نفسه يقول الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}[النور:30].

وفي سورة البقرة يقول جلَّ شأنه: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ}[البقرة:232].

وفي سورة الطلاق يقول تعالى في شأن المطلقات: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}[الطَّلاق:2].

وفي سورة التوبة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}[التوبة: 103].

ففي هذه الآيات وما ماثلها يبدو عمل الخير، وأداء الواجب لذاته فقط، أو بتعبير آخر: لأنه خير وأزكى للإنسان وأطهر.

  • الفلاح الكامل للإنسان:

ومن الأهداف الأخلاقيَّة الإسلامية: تحقيق (الفلاح) للإنسان، وإن شئتَ فسمِّه (السعادة)، كما يُسمِّيه كثير من فلاسفة الأخلاق، وبخاصة المَشَّائيُّون منهم. ولكنِّي آثرتُ استعمال التعبير القرآني (الفلاح)؛ لأنه تعبير قرآني صرف.

ومعناه: أن يظفر الإنسان بما يُحب ويرجو، ويسلم ممَّا يكره ويخاف.

والفلاح الذي أعنيه هنا وأرتجيه هو الفلاح الكامل.

قال الراغب في مفرداته: «والفَلَاحُ: الظَّفَرُ وإدراك بُغْية، وذلك ضربان:

دنيوي وأخروي.

فالدنيوي: الظَّفَر بالسعادات التي تطيب بها حياةُ الدنيا، وهو البقاء والغنى والعزُّ...

وفَلَاحٌ أخروي، وذلك أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعزٌّ بلا ذلٍّ، وعلم بلا جهل. ولذلك قيل: "لا عيش إلَّا عيش الآخرة"([1])»([2]).

وقد ربط القرآن الفلاح بالسُّموِّ الأخلاقي حين قال: {قد أفْلَحَ مَن تَزَكَّى}[الأعلى:14].

كما جعل القرآن الكريم رجاء هذا الفلاح علَّةً لكثير من أوامره ونواهيه، كما يجعل هذا الفلاح جزاءً لمن التزم بما أمر، وانتهى عمَّا نهَى.

من ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الحج:77].

ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[المائدة:35].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[المائدة:90].

{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران:104].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[آل عمران:130].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[آل عمران:200].

{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[النور:31].

{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الجمعة:10].

والفلاح الذي عُلِّقت به هذه الأوامر والوصايا، فلاح مطلق، يشمل فلاح الآخرة وفلاح الدنيا، فلاح الفرد، وفلاح المجتمع.

فإذا كان معظم المذاهب الأخلاقيَّة الفلسفيَّة، لا يجعل للفلاح في الآخرة والسعادة في عقبى الدار اعتبارًا ولا أهمية في نظرته إلى الأخلاق، ومَن اعتبر منهم السعادة غايةً في فلسفته الخلقية، فإنما قصرها على السعادة الدنيويَّة العاجلة، سواء أكانت سعادة روحيَّة عقليَّة أم حسيَّة ماديَّة؛ فإننا نجد فلسفة الإسلام في الأخلاق تضع الفلاح في الآخرة نُصْب عينيها، فالإنسان لم يُخلق لهذه الأيام المعدودة، وهذه الأنفاس المحدودة، في هذه الدار الفانية. وإنما خُلق للخلود، وهو إنما يُعَدُّ في هذه الدار ويُصْقَل بوساطة الابتلاء بالتكاليف الإلهيَّة، التي تشمل الحياة كلَّها، ليُعَدَّ ويهيَّأ في الحياة الدنيا، ليصلح للحياة الآخرة، ويكون أهلًا للفلاح بنعيمها الأبدي.

فمن زكَّى نفسه بالعلم النافع، والإيمان الصادق، والعمل الصالح، وطَهَّرها من خُبث الرذائل المهلكة، وغلَّب التقوى على الفجور، وأعلى نداء العقل على صوت الشهوة، وباعث الدين على باعث الهوى. وبعبارة أخرى: انتصر فيه الجانب الملائكي على الجانب الحيواني، أو الوسواس الشيطاني، وعَلَتْ فيه نفْحة الرُّوح على قبضة الطين: فقد أصبحت نفسه مُستعدَّة للفلاح الأبديِّ، والسعادة السرمديَّة، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}[الشمس:7-10].

فالفلاح منُوطٌ بتزكية النفس، والجنَّة دار الأزكياء، الذين يفارقون الحياة ويلقون ربَّهم وهم أطهار طيِّبون، بخلاف جهنَّم، فهي دار الأنجاس، الذين يموتون خبثاء مجرمين، فيُبعثون يوم القيامة على ما ماتوا عليه، يقول الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى}[طه:74-76].

إن الجنة طيِّبةٌ لا يدخلها إلا الطيِّبون: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[النحل:32]. ويناديهم خزنة الجنة: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}[الزُّمر:73].

فأما من خَبُثَت نفسُه بالرذائل، ودنَّسها بأوحال الموبقات، فلن يدخل الجنَّة- وإن كان أصله من المؤمنين- إلا بعد مرحلة من التَّطهير يمرُّ بها في جهنَّم، يخرج منها نظيفًا مغسولًا، صالحًا لدار الخلود، دار السلام.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر"([3]).

ويقول: "خلق الله جنَّة عدن بيده، فشقَّ فيها أنهارها، وأدلى فيها ثمارها، ثم قال لها: تكلَّمي. فقالت: قد أفلح المؤمنون. فقال الله تعالى: وعزَّتي لا يجاورني فيك بخيل"([4]).

وفي الصحيح: "من مات وهو غاشٌّ لرعيته: حرَّم الله عليه الجنة"([5]).

وقال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثةٌ لا يدخلون الجنَّةَ أبدًا: الدَّيُّوثُ، والرَّجُلةُ من النِّساءِ، ومدمنُ الخمرِ". قالوا: يا رسولَ اللهِ، أمَّا مدمن الخمر، فقد عرفناه، فما الدَّيوثُ؟ قال: "الَّذي لا يُبالي مَن دخل على أهلِه". فقلنا: فما الرَّجُلة من النساء؟ قال: "التي تشبَّه بالرِّجال"([6]).

وهكذا تحرم الجنَّة على أصحاب الأنفس الخبيثة، والرذائل المُهلكة، من الكِبْر، والبخل، والإدمان والدياثة، وغشِّ الرعية، وغيرها من المُوبقات المُهلكات حتى يطَّهَّروا منها.

والذي يهمُّنا ذكره وتأكيده هنا: أن الله تعالى جعل الفلاح في الآخرة مثوبةً لمن التزم قانونه الذي نزل به الوحي: في عقائده، وشعائره، وأخلاقه، وسائر أقواله وأعماله، فهناك ارتباطٌ بين الصلاح هنا والفلاح هناك، ارتباط اقْتَضَتْه كلمة الله الذي أبى أن يسكُنَ دارَه الطيبةَ إلا الطيِّبون.

____________________________________

([1])- جزء من حديث متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (3795)، ومسلم في الجهاد (1805)، كما رواه أحمد (12757)، والترمذي (3856)، والنسائي في الكبرى (8256)، كلاهما في المناقب.

([2]) - المفردات للراغب الأصفهاني 1/644.

([3])- رواه مسلم في الإيمان (91)، وأحمد (3789)، وأبو داود في اللباس (4091)، عن ابن مسعود.

([4])- رواه الطبراني في الكبير (11/184)، والأوسط (5518)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (3942): رواه الطبراني في الكبير والأوسط بإسنادين أحدهما جيد، وكذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (18639)، عن ابن عباس.

([5])- متفق عليه: رواه البخاري في الأحكام (7151)، ومسلم في الإيمان (142)، عن معقل بن يسار.

([6])- رواه البيهقي في شعب الإيمان (10310)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2071): صحيح لغيره، عن عمار بن ياسر.


التعليقات