الفلاح في الدنيا من مقاصد الأخلاق الإسلامية

الفلاح في الحياة الدنيا:

دلت النصوص المتواترة على أن الالتزام بالقانون الأخلاقي الذي هَدَى الله إليه عباده، لا يؤدِّي إلى السعادة في الآخرة فقط، بل إلى سعادة الدنيا والفلاح فيها كذلك، والآيات القرآنيَّة التي ذكرناها من قبل مُطْلقة تشمل فلاح الدارين، مثل: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا}. {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}. فليس في هذه الآيات وما شابهها دليلٌ على حَصْر هذا الفلاح في الآخرة وحدها.

على أنَّ هناك آيات أخرى صريحة، تجعل سعادةَ الدنيا- بالنصِّ الواضح- منوطةً باتِّباع هدى الله تعالى، وشقاءَها منوطًا بالإعراض عنه، من ذلك قوله تعالى في خطابه لآدم وزوجه: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}[طه:123-124].

فهذا يدلُّ على أن مناط السعادة يكون باتِّباع هدى الله، فهذه سُنَّةٌ قائمة منذ أن هبط آدم من الجنَّة إلى الأرض، وكذلك ارتباط الشقاء والمعيشة الضنك يكون بالإعراض والانحراف عنه، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}[الأعراف:96]. {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}[الجن:16]. ومثل ذلك قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[النحل:97]. فالحياة الطيبة جزاء الإيمان والعمل الصالح، سنَّةُ الله في عباده.

بَيْد أن الناس كثيرًا ما يُخطئون في فهم (الحياة الطيِّبة)، كما يخطئون في فهم (المعيشة الضنك)، حين يجدون كثيرًا من المؤمنين الصالحين في قلَّة من المال، أو ضيق من العيش، أو اضطهاد من الآخرين، على حين يجدون كثيرًا من الكَفَرة الفَجَرة يغوصون في الذهب والحرير، ويسبحون في أنهار من النعيم، وبحبوحة من العيش، فأين المعيشة الضنك هنا؟ وأين الحياة الطيبة هناك؟

ولو نزل هؤلاء عن السطح، ونفذوا إلى الأعماق، لوجدوا الحياة الطيِّبة حقًّا إنما هي حالةٌ نفسيَّة أكثر منها مُتعة ماديَّة، حالة نفس مؤمنة ترى سعادتها في إيمانها، الذي يثمر السكينة والرِّضا والحب، وإيمانها لا سلطان لأحد عليه غير الله، نفس ترضى بالقليل، فيبدو عندها كثيرًا، وتستعذب العذاب في سبيل الله، فيستحيل لديها إلى نعيم، إنها الحال التي عبَّر عنها أحد الصالحين قديمًا – وهو إبراهيم بن أدهم- حين قال: نحن نعيش في سعادة لو عَلِمَ بها الملوك وأبناء الملوك، لجالدونا عليها بالسيوف([1])! ولكن الملوك لا يعلمون قيمة هذه السعادة، فلا يزاحمونهم عليها، ويتركونها كلَّها لهم بلا مزاحمة.

وقد أطلنا في شرح السعادة النفسيَّة وبيان عناصرها ومقوِّماتها في كتابنا (الإيمان والحياة)، فليرجع إليه مَن أراد([2]).

وكذلك المعيشة الضنك ليست قلَّة المال، ولا ضيق ذات اليد، إنما هي ضيق النفس والصدر، إنها القلق النفسي، الذي يجعل صاحبه يبِيتُ على مثل الشوك، ويتقلَّب على مثل الجمْر، ذلك الذي يعيش مُهتزَّ العقيدة، مُضْطرب الفكر، خاوي الروح، مظلم القلب، لا يعرف له غاية بيِّنة، ولا سبيلًا مستقيمًا، فهو كعبدٍ يملكه شركاء متشاكسون، وأرباب متفرِّقون، كما قال الله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[الزمر:29].

  • العناية بالإنسان فردًا:

من أول ما يهدف إليه الإسلام، وينشده القرآن العظيم، ويوجه إليه الرسول الكريم: أن يبني الإنسان الصالح فردًا.

هذه الكلمة الموجزة (الإنسان الصالح): هي الهدف الأول لهذا الدين العالمي، والدين الخاتم، الذي بعث الله به محمدًا؛ ليختم به النبيين، ويغلق باب انبعاث الرسل من السماء، فقد بلغت البشريَّة رشدها، واستعدَّت لتلقِّي الرسالة الخاتمة، التي لم تعد مرتبطة ببقعة معيَّنة من الأرض، أو قوم من الأقوام، أو قارَّة من القارات، أو جهة من الجهات.

بل تطوَّرت البشريَّة كما أراد الله لها، وهيَّأها بأقداره وشرائعه، حتى نضجت وبلغت أشدَّها، وأصبحت قادرةً على هذه المرحلة الأخيرة التي يكمل الله فيها رسالته.

فلم تعد البشريَّة في حاجة إلى رُسُل جُدد، يأتون إليها كل مدة برسالة جديدة لقوم جدد، وغدا لدى البشر الاستعداد النوعي ليتلاقوا ويتفاهموا ويتعاونوا، ويتسالموا ويتحابُّوا.

فلا عجب أن يأتيهم رسول واحد للعالمين، أي لكلِّ البشر، أبيضهم وأسودهم، وأصفرهم وأحمرهم، مَنْ في الشرق، ومَنْ في الغرب، ومَنْ في الشمال، ومَنْ في الجنوب، ويجب على البشر أن يتهيَّؤوا لهذا الدور العالمي الذي لا بدَّ لهم منه، والذي ينتظرهم وينتظرونه، أو ينتظره العقلاء وأولو الألباب منهم.

وهذه الرسالة تُعنى أولَ ما تُعنى بالإنسان: الذي استخلفه في الأرض الله الخالق الأعلى، الرحمن الرحيم، الذي هيَّأ الإنسان ليَعمُر هذه الأرض ويُحييها ويجمِّلها، بما وهبه له من مواهب، وأن يعرف حقَّ خالِقه، ويقيم عدله ورسالته في أرضه، وأن يقيم ما يشرعه الله من هداياتٍ وقيمٍ وموازينَ تعين بني الإنسان على أن يعيشوا إخوة متحابين متواصِّين بالحق والصبر، متعاونين على البر والتقوى.

العناية بكرامة الإنسان ورعاية حقوقه:

وأول ما يُعنى به الإسلام هنا بالنسبة للفرد: العناية بكرامته كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}[الإسراء:70].

وكرامة الإنسان تعني أول ما تعني: رعاية حقوقه، وعدم التفريط فيها، ويتجلَّى في هذه العناصر:

  • تقرير كرامة الإنسان.
  • تقرير حقوق الإنسان.

جـ- تأكيد حقوق الضعفاء من الناس.

وسنخصُّ كلًّا منها بحديث:

  • تقرير كرامة الإنسان:

أكد القرآن أن الإنسان مخلوق كريم على الله، فقد خلق آدم بيديه، ونفخ فيه من رُوحه، وجعله في الأرض خليفة، واستخلف أبناءه من بعده. وهي منزلة تطلَّعت إليها أنظار الملائكة، فلم تُمنح لهم؛ لأنهم لم يُؤهَّلوا لها، إنما أُهِّلَ لها آدم وبنوه، الذين سخَّر لهم كل ما في الكون: أرضه وسماؤه. وفي هذا يقول سبحانه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}[الإسراء:70]. {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}[لقمان:20]. {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ}[الجاثية:13]. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}[البقرة:30].

ومن أجل ذلك أنكر القرآن على بعض المتطرفين من البشر تحريمهم الطيِّبات وزينة الحياة: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}[الأعراف:32].

وأنكر على بعض البشر إهانتهم لأنفسهم باتِّخاذهم الطبيعة وقواها المسخَّرة للإنسان آلهةً يعبدونها من دون الله: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}[فصلت:37].

وأنكر على بعضٍ آخر من البشر أن يفقدوا شخصيَّتهم، ويصبحوا أذنابًا لغيرهم: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}[الأحزاب:67].

وأنكر على آخرين أن يغلُوا في تقديس البشر، فيتخذوهم أربابًا يطيعونهم في كلِّ ما يشرعون؛ وإن حرَّموا الحلال، وأحلُّوا الحرام: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}[التوبة:31].

ولا عجب أن كانت دعوة الإسلام إلى أهل الكتاب: {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}[آل عمران:64].

وردَّ القرآن على من نسب إلى بعض الأنبياء أنه دعا الناس إلى عبادة نفسه؛ فقال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ}[آل عمران:79].

______________________________

([1])- رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (7/370).

([2])- الإيمان والحياة صـ71-79، مكتبة وهبة، ط. الثامنة عشر، 1434هـ، 2013م.


التعليقات