فلسفة الإسلام في المحرمات من النساء

هناك عدة أصناف من النساء يحرم على المسلم الزواج بواحدة منهن، بعضها حرمته مؤقتة، وبعضها حرمته دائمة وهن المحارم.

وقد فصل القرآن هذه الأصناف في سورة النساء فقال: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}[النساء:22-24]. وذكرت سورة البقرة صنفا آخر وهو المشركات، حيث قال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}[البقرة:221]، فبين حرمة زواج المسلم من المشركة حتى تؤمن بالله تعالى ربا.

ثم ذكر القرآن قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ}[المائدة:5]، فبيَّن حكم الكتابيات في الآية، وأباح للمسلم أن يتزوج الكتابية المحصنة– أي العفيفة- زواجا شرعيًّا، وسكت عن حكم تحريم المسلمة على الكتابي، فبقي تحريم زواج المسلمة بغير المسلم عامًّا، سواء أكان كتابيا أم غير كتابي، وأكد ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}[الممتحنة:10].

وحرم القرآن أيضًا أن يتزوج مطلقته إذا طلقها ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره، فقال بعد أن بيَّن أن الطلاق مرتان: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا}[البقرة:230].

وحرم القرآن أيضًا على الرجل أن يتزوَّج فوق أربع نسوة، فقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا}[النساء:3].

وزادت السنة الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، والتفريق بين الملاعِن وملاعنَته.

  • المحرمات تحريمًا مؤبَّدًا (المحارم)

وأول هذه الأصناف يحرم تحريمًا مؤبدًا، وهو المحارم، والمحارم جمع مَحْرَم، وهو من لا يجوز له مناكحتها على التأبيد بقرابة أو رضاع أو صهرية.

وقد ذكر الفقهاء أن أسباب تأبيد حرمة التزوج بالنساء ثلاثة، هي: القرابة، والمصاهرة، والرضاع.

  • المحرمات بالقرابة([1]):

يحرم على المسلم بسبب القرابة خمسة أصناف من النساء، وهن:

الأصل: أي الأمّ والجدَّة من قبل الأب أو الأم وإن علت؛ لأن لفظ الأم يشمل الجميع.

والفرع: وهي البنت، ومثلها بنت ابنه أو ابنته، مهما امتدت الفروع، للإجماع، ولأن لفظ البنت يشملهن.

وفروع الأبوين أو أحدهما: ويشمل الأخت شقيقة كانت أو لأب أو لأم، وبنات الأخ شقيقًا كان أو لأب أو لأم، وبنات الأخت شقيقة كانت أو لأب أو لأم، وفروع الجميع.

والعمات: شقائق كن أو لأب أو لأم، وكذلك عمات الأصل، وإن علا.

والخالات: شقائق كن أو لأب أو لأم، وكذلك خالات الأصل، وإن علا.

  • المحرمات بالمصاهرة:

وحُرمة هؤلاء إنما جاءت لعلة طارئة، هي المصاهرة، وما ترتب عليها من صلات وثيقة بين المتصاهرين، اقتضت هذا التحريم، وهن:

  • زوجة الأب، وإن علا، سواء أدخل بها أو لم يدخل بها، وسواء أطلقها أم مات عنها.

وكان هذا الزواج جائزًا في الجاهلية فأبطله الإسلام؛ لأن زوجة الأب لها منزلة الأم بعد زواجها بأبيه، فكان من الحكمة تحريمها عليه؛ رعاية لحرمة الأب. ثم إن تحريمها عليه على التأبيد، يقطع طمعه فيها وطمعها فيه، فتستقر العلائق بينهما على أساس من الاحترام والهيبة.

  • أم الزوجة، وإن علت، وهذه يحرمها الإسلام بمجرد العقد على ابنتها، ولو لم يدخل بها؛ لأنها تصبح للرجل بمنزلة أمه.
  • الربيبة، وهي بنت الزوجة التي دخل بها، وبنت ابنها، وبنت بنتها، وإن نزلت، فإن لم يكن دخل بالأم أو الجدة، وطلقها أو ماتت، فلا جناح عليه أن يتزوج البنت.
  • حليلة الابن الصُّلْبي، سواء دخل بها أو لم يدخل بها، ويشمل حلائل أبناء الأبناء وأبناء البنات وإن نزلوا، ولا يدخل هنا المتبنَّى، فقد أبطل الإسلام نظام التبني، وما يترتب عليه، لما فيه من مخالفة للحقيقة والواقع، وكونه يؤدي إلى تحريم الحلال، وتحليل الحرام. قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ}[الأحزاب:4]. أي هو مجرد قول باللسان، لا يغيِّر الواقع، ولا يجعل الغريب قريبًا. وقد قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في شأن زينب بنت جحش، التي كانت زوجة زيد بن حارثة الذي تبناه النبي صلى الله عليه وسلم فترة من الزمن: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}[الأحزاب:37].

وهؤلاء الأصناف الأحد عشر من النساء يطلق عليهن في الإسلام اسم (المحارم)؛ لأنهن محرَّمات على المسلم حرمة أبدية، لا تحل في وقت من الأوقات، ولا بحال من الأحوال. كما يسمى الرجل (مَحْرَمًا) بالنسبة إليهن أيضًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) الحكمة في تحريم زواج هؤلاء القريبات ظاهرة:

(أ) فالإنسان الراقي تنبو فطرته عن الاشتهاء الجنسي لمثل أمه أو أخته أو بنته، بل إن من الحيوانات من يأبى ذلك، وشعور المرء نحو خالته وعمته كشعوره نحو أمه، والعم والخال كذلك بمنزلة الوالد.

(ب) إن الشريعة لو لم تجِئ بقطع الطمع فيهن، لكان الخطر متوقعًا على العلاقة بين الرجل وبينهن، لوجود الخَلوة وشدة الاختلاط.

(ج) إن بين الرجل وبين هؤلاء القريبات عاطفة قائمة مستقرة، تتمثل في الاحترام والتكريم، أو الحنان والعطف. فكان الأولى أن يتوجَّه بميله إلى الأجنبيات عنه، عن طريق المصاهرة، فتحدث صلات جديدة، وتتسع دائرة المحبة والمودة بين الناس: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}[الروم:21].

(د) إن هذه العاطفة الفطرية بين الرجل وقريباته اللاتي ذكرنا، والقائمة على الحنان أو التوقير، يجب إبقاؤها حارة قوية، لتكون ركيزة العلاقة الدائمة بينهم، وأساس الرعاية والمحبة والولاء. وتعريض مثل هذه العاطفة أو الصلة للزواج، وما يحدث فيه من شجار وخلاف، قد يؤدي إلى البينونة والانفصال، مما يتنافى مع ما يراد لتلك العواطف من استقرار، ولتلك الصلات من ثبات ودوام.

(ه) إن النسل من هؤلاء القريبات يغلب أن يكون ضاويًا ضعيفًا، وإذا كان في عائلة الشخص عيوب جسمية أو عقلية، فمن شأن هذا الزواج أن يركزها في النسل.

(و) إن المرأة في حاجة إلى من يخاصم عنها، ويحمي مصالحها عند زوجها، وخصوصًا إذا اضطربت العلائق بينهما، فكيف إذا كان حاميها هو خصمها؟!


التعليقات