مصعب بن عمير قدوة الشباب المسلم

قال تعالى : (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب:23)،

(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (الفتح: من الآية 29)،

(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)(التوبة: من الآية 100)

وها نحن في هذه العجالة مع واحد من السابقين الأولين . مع شاب من عشرات الشباب الذين نشأوا فى مكة مترفين منعمين لا هم لاحدهم إلا اللين من اللباس والطيب من الطعام والفواح من العطور . فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام تغيرت مجريات حياتهم وتحولوا بين عشية وضحاها من النقيض الى النقيض. مع أول سفير فى الإسلام مع مصعب بن عمير ونحن إذ نقدم اليوم هذا الشاب العلم لنهديه الى شبابنا عساه أن يكون لهم قدوة و أن يجدوا فيه أسوة رضى الله تعالى عنه وأرضاه .

فتى مكة المدلل!!!

لقد نشأ رضى الله عنه كغيره من شباب مكة المدللين بل كان أوفاهم بهاء وجمالا وشبابا . يصفة المؤرخون فيقولون ( كان أعطر أهل مكة ) وما حظي شاب من تدليل والديه كما حظي مصعب بن عمير . ولقد كان رغم حداثة سنه يرتاد مجالس الكبار ونواديهم بل كانت نوادي مكة لتفخر بوجود مصعب بينها وذلك لأناقة مظهره ورجاحة عقله.

وذات يوم يسمع ذلك الفتى كما يسمع غيره من أهل مكة – حديث الساعة محمداً ودعوته- وكان فيما سمع أن محمداً يجتمع و من آمن معه بعيداً عن أهل مكة على جبل الصفا يجتمعون فى دار الأرقم بن أبى الأرقم وما لبث أن ذهب يستطلع الأخبار ويستجلى الحقيقة وشاءت إرادة الله أن يسمع الرسول صلى الله غليه وسلم وهو يتلو على أصحابه بعض ما نزل من القرآن الكريم ووجدت تلك الآيات طريقها سريعاً إلي قلب مصعب بن عمير فإذ به يعلن إسلامه ويصبح واحداً من هؤلاء المطاردين المستخفين بإيمانهم المؤمنين الواثقين بربهم و نبيهم .

أخرج ابن سعد عن محمد العبدرى عن أبيه قال : كان مصعب بن عمير فتى مكة شبابا وجمالاً وسبيباً- أي له شعر على ناصيته- وكان أبواه يحبانه وكانت أمه مليئة – غنية – كثيرة المال تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقه وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرمى من النعال فكان رسول الله صلى الله غليه وسلم يذكره ويقول ” ما رأيت بمكة أحداً أحسن لمة – شعراً –ولا أرق حلة ولا انعم نعمة من مصعب بن عمير ” فبلغه أن رسول الله يدعو إلى الإسلام فى دار الأرقم بن أبى الأرقم فدخل عليه فاسلم وصدق به وخرج فكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه فكان يختلف الى رسول الله سراً فبصر به عثمان بن طلحة يصلي فاًخبر أمه وقومه فأخزوه فحبسوه فلم يزل محبوساً حتى خرج إلي أرض الحبشة فى الهجرة الأولى ثم رجع مع المسلمين حين رجعوا فرجع متغير الحال قد حرج –يعنى غلظ – فكفت أمه عنه من العذل.

ثم أذن رسول الله بالهجرة إلى الحبشة فاحتال وغافل أمه وحراسه وتمكن من الفرار ولحق بركب المهاجرين إلى الحبشة ومكث بها زمناً ثم عاد إلى مكة ثم رجع مرة أخرى إلى مهجره بالحبشة مع من أذن لهم رسول الله بالهجرة وعبثا تحاول أمه أن تثنيه عن عزيمته فقررت حرمانه من كل نعمة كانت تغدق بها عليه ثم حاولت حبسه من جديد فاقسم ليقتلن كل من تستعين بهم على ذلك ولم تجد الأم الغضوب أمام هذا الشاب إلا أن تخرجه من بيتها قائلة له”اذهب لشأنك لم اعد لك أما”ً فلم تهزه هذه الكلمات ولكنه اقترب منها قائلا : يا أماه إني لك ناصح وعليك شفوق فاشهدي انه لا اله إلا الله وان محمداً عبده ورسوله. أجابته والغضب يكاد يفتك بها” قسماً بالثواقب لا ادخل في دينك فيُزري برأيي ويضعف عقلي ” وهكذا يفعل الكبر بأصحابه دائماً.

وحيل بين مصعب بن عمير وبين نعيم الدنيا وخرج من دلاله وترفه ليواجه بإيمانه حياة الشظف والخشونة فإذ به يُرى بعد حين وقد لبس اخشن الثياب- يأكل يوماً ويجوع يوما-ً ولكن إيمانه الوثاب أغناه عن كل متع الدنيا وصنع منه إنساناً أخر يملأ الأعين جلالاً والأنفس روعة.

أول سفير للإسلام

وقد وقع عليه الاختيار من النبي المختار ليقوم بأعظم مهمة حينئذ ليكون سفيراً لرسول الله في المدينة –فنال بذلك شرف ووسام أول سفير في الإسلام ويالها من مهمة شاقة وتبعة ثقيلة، إنها الدعوة إلى الله ومواجهة قوى الشر والكفر في المدينة و التصدي بدعوته لعبادات مألوفة وعادات موروثة ووصل مصعب إلى مقر عمله وليس بالمدينة من المسلمين سوى اثني عشر رجلاً هم الذين بايعوا النبي في العقبة ولكنه لم يكد يتم بينهم إلا بضعة اشهر حتى استجابوا لله ورسوله وما من بيت في المدينة إلا و دخله الإسلام بإسلام واحد من أهله أو اكثر وقد كانت دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة كما تعلم من سيده رسول الله صلى الله غليه وسلم.

الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة

وتنقل إلينا كتب السيرة مشاهد من دعوته إلى الله نلمح فيها الصدق مع الله والإخلاص والحكمة البالغة منها يوم جاءه أسيد بن حضير وهو سيد في قومه وعنده  يومها اسعد ابن زراره فلما وقف عليهما قال :ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة فقال له مصعب : أتجلس فتسمع فإن رضيت أمراً قبلته وان كرهته كف عنك ما تكره .قال :أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن فقالا فيما يذكر عنهما :و الله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقة وجهه وتسهله ثم قال : ما احسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك وتشهد شهادة الحق ثم تصلي -ففعل ذلك ثم قال لهما :أن ورائي رجلاً أن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه سأرسله إليكما الآن : سعد بن معاذ وهكذا كانت دعوته هينة لينة تجد طريقها إلى القلوب فتحول العنيد إلى صديق حميم بل وظهير و معين في الدعوة إلي الله تعالى.

هو أخي دونك!!!

وهاجر رسول الله ومن معه إلى المدينة و تأسست دولة الإسلام بها و تكون جيش الأمة و بدأت مرحلة الدفاع عن الإسلام و حرماته و جاءت غزوة بدر الكبرى – أولى غزوات رسول الله صلى الله غليه وسلم و التقى الجمعان ونصر الله عباده المستضعفين على الكافرين المستكبرين و انجلت المعركة عن ظفر المؤمنين بأسرى من قريش كانت المفاجأة أن من جملة هؤلاء الأسرى شقيق مصعب بن عمير فكيف كانت المواجهة بينهما ؟

أخرج ابن إسحاق عن نبيه بن وهب أن رسول الله صلى الله غليه وسلم – حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه و قال : ” استوصوا بهم خيراً” قال : و كان أبو عزيز بن عمير بن هاشم – أخو مصعب بن عمير رضى الله عنه لأبيه و أمه فى الأسارى . قال أبو عزيز : مّر بى أخي مصعب بن عمير و رجل من الأنصار يأسرني فقال : شدّ يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك ..؟

قال أبو عزيز : فكنت فى رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر فكانوا إذا قدّموا غداءهم و عشاءهم خصوني بالخبز و أكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله غليه وسلم إياهم بنا . ما تقع فى يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحنى بها فاستحى فاردها فيردها علىّ ما يمسها و لما قال أخوه مصعب لأبى اليسر – و هو الذي أسره – ما قال: قال له أبو عزيز : يا أخي هذه وصيتك بى ؟ ! فقال له مصعب : أنه أخي دونك ثم سألت أمه عن أغلى ما فدى بي قرشي فقيل لها : أربعة آلاف درهم . فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها.

وترجل الفارس الداعية!!!

اخرج ابن سعد عن عبد الله بن الفضل قال أعطى رسول الله صلى الله غليه وسل يوم أحد مصعب بن عمير اللواء فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب فجعل رسول الله صلى الله غليه وسلم يقول له في آخر النهار : تقدم يا مصعب فالتفت إليه الملك فقال : لست بمصعب فعرف رسول الله صلى الله غليه وسلم أنه ملك أيد به .

و انجلت المعركة و سكن غبارها و جاء رسول الله صلى الله غليه وسلم – و أصحابه يتفقدون أرض المعركة و يودعون شهداءها . و إذ بجثمان البطل الشهيد المعلم راقداً على الأرض و ما أن و قعت العيون عليه إلا و انساب الدمع الغزير مدراراً .

يقول خباب بن الأرت : ” هاجرنا مع رسول الله صلى الله غليه وسلم في سبيل الله نبتغى و جه الله فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى و لم يأكل من أجره فى دنياه شيئا –منهم مصعب بن عمير – قتل يوم أحد فلم يوجد له شئ يكفن فيه إلا نمرة فكنا إذا وضعناها على رأسه تعرت رجلاه و إذا و ضعناها على رجليه برزت رأسه . فقال لنا رسول الله : “اجعلوها مما يلي رأسه و اجعلوا على رجليه من نبات الإذخر” و صدق الله (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) سلام الله على مصعب بن عمير في الشهداء و الصالحين برفقه النبي الأمين صلى الله غليه وسلم


التعليقات