حكم إجبار الأب ابنتَه البالغة على الزواج بمن لا ترضاه (2)

في المقال السابق عرضنا بعض الآراء الفقهية حول إجبار الولي ابنته البالغة على الزواج، وفي هذا المقال نستعرض بقية الأحكام الفقهية.

رأي الشافعية:

رأى الشافعية أن للأب والجد دون غيرهما من الأولياء أو الأوصياء إجبارَ البِكر البالغة الرشيدة على الزواج بغير رضاها، وسجلت كتبهم لذلك شروطًا منها:

  1. ألا يكون بينه وبينها عداوة ظاهرة، كطلاق أمِّها.. أو نحو ذلك.
  2. أن يزوِّجها من كُفْء.
  3. أن يزوِّجها بمهر مثلها.
  4. ألا يكون الزَّوْج معسِرًا بالمهر.
  5. ألا يزوِّجها بمن تتضرَّر بمعاشرته كأعمى وشيخ هَرِم.. إلخ([1]).

وفي هذه الشروط تخفيف لبعض آثار الإجبار، ولكنها لا تحُلُّ المشكلة من جذورها.

ومن الإنصاف للمجتهدين أن نضع آراءهم في إطارها التاريخي، فإن المجتهد ابن بيئته وزمنه، ولا يمكن إغفال العنصر الذاتي للمجتهد. وقد عاش الإمام الشافعي في عصر قلَّما كانت تعرف الفتاة عمَّن يتقدم لخطبتها شيئًا، إلا ما يعرفه أهلها عنه، لهذا أعطى والدَها خاصَّة حق تزويجها، ولو بغير استئذانها؛ لكمال شفقته عليها، وافتراض نضجه وحسن رأيه في اختياره الكفء المناسب لها، وانتفاء التُّهمة في حقِّه بالنسبة لها.

ومَنْ يدري لعل الشافعي رضي الله عنه ومن وافقه لو عاشوا إلى زماننا، ورأوا ما وصلت إليه الفتاة من ثقافة وعلم، وأنها أصبحت قادرة على التمييز بين الرجال الذين يتقدَّمون إليها، وأنها إذا زُوِّجت بغير رضاها تتحوَّل حياتُها الزوجية إلى جحيم عليها وعلى زوجها، لعلهم لو رأوا ذلك لغيَّروا رأيهم، فقد غيَّر الشافعي رأيه في أمور كثيرة. فمن المعلوم أنه كان له مذهبان أحدهما: قديم قبل أن يرحل إلى مصر، والثاني: جديد بعد أن انتقل إلى مصر واستقر فيها، ورأى فيها ما لم يكن قد رأى، وسمع فيها ما لم يكن قد سمع، وأصبح من المعروف في كتب الشافعية: قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد.

الوكالة في النكاح:

اتفق الفقهاء على أنه يجوز للبالغ العاقل أن يوكل غيره في تزويجه كما يجوز له تزويج نفسه، فكما ينعقد الزواج منه أصالة ينعقد من وكيله.

واستدلوا على ذلك بحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "أترضى أن أزوِّجَك فلانة؟". قال: نعم. وقال للمرأة: "أترضين أن أزوجك فلانًا؟". قالت: نعم. فزوَّج أحدهما صاحبه([2]).

وبحديث أم حبيبة: أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حَسَنة([3]).

قال الشوكاني: ((فيه دليل على جواز التوكيل من الزوج لمن يقبل عنه النكاح، وكانت أم حبيبة المذكورة مهاجرة بأرض الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش، فمات بتلك الأرض فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم))([4]).

ونرى أنه يجوز لولي المرأة أن يوكل عنه من يباشر عقد الزواج ويزوج موليته لكن بإذنها، ويجوز لها أن توكل وليها توكيلا مطلقا، كأن تقول لوليها: زوج من شئت أو من ترضاه.

ويجوز لطرفي العقد (الزوج والزوجة أو وليها) أن يوكلا عنهما شخصا واحدا كما في حديث عقبة بن عامر السابق.

والتوكيل من الموكل لوكيله قد يكون شفويًّا، وقد يكون كتابيًّا، ولا يشترط لصحته حضور شاهدين وقت صدوره، بل يتم بين الموكل والوكيل وحدهما، ولكن يستحب الإشهاد عليه خشية الجحود وتجنُّبًا للنزاع. بل ربما يعتبر هذا واجبا في عصرنا، احتياطًا واعتبارا لتغير طباع الناس وذممهم.

وليس للوكيل بالزواج أن يوكل غيره؛ لأنه يستمد ولايته من الموكِّل، والموكل أعطاه وحده الولاية ورضي برأيه فقط. فإذا أعطاه الموكل حق توكيله غيره عنه بأن أذن له أن يوكل عنه في هذا التزويج من شاء، أو وكَّله بصيغة التفويض بأن قال له: فوضت أمر زواجي إلى رأيك في كل ما تفعله، ففي هاتين الحالتين للوكيل أن يوكل غيره عنه.

ومهمة الوكيل بالزواج هي مباشرة الصيغة فقط؛ لأنه سفير ومعبر، وبعد انتهاء الصيغة لا يطالب بأي حق من حقوق أحد الزوجين على الآخر، فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر ولا النفقة، ولا يطالب وكيل الزوجة بإدخالها في طاعة الزوج؛ لأن السفير لا يطالب بحقوق إلا إذا ضمن الوكيل والتزم بشيء من الحقوق، فإنه يطالب بمقتضى التزامه وضمانه، لا بمقتضى وكالته([5]).

وكالة المرأة في عقد النكاح:

يرى جمهور الفقهاء أن المرأة بكرًا كانت أو ثيبًا لا يجوز لها أن تباشر عقد النكاح لنفسها، أو نيابة عمن هو في ولايتها، أو وكالة عن غيرها، وأجاز الأحناف أن تباشر المرأة عقد نكاح نفسها أو وكالة عن غيرها، قال القدوري: ((قال أصحابنا: يجوز للمرأة أن تعقد النكاح لنفسها([6])، وتكون وكيلة للرجل فتعقد له وللولي. فتزوج وليته، وتزوج أمتها))([7]).

ومستندهم في ذلك أن الله أسند النكاح للمرأة في غير آية منها قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ * فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا}[البقرة:230، 231]. فأضاف النكاح إليها، والمراد بالتراجع: العقد ابتداء.

ولأنه عقد، فجاز أن تكون المرأة وكيلة فيه كالبيع، ولأن من جاز أن يكون وكيلا في البيع جاز أن يكون وكيلا في النكاح كالرجل، ولأنه عقد بعوض فجاز أن تعقده المرأة كالبيع.

والذي أراه: أن المرأة إنسان مكتمل الإنسانية كالرجل، وهي تباشر العقود كما يباشرها الرجال، بيعًا وشراءً وإجارةً وقرضًا ووكالة وشركة ونكاحًا، ويجري عليها في هذه العقود ما يجري على الرجال، فهي مسؤولة مكلَّفة، تؤدي الفرائض، وتجتنب المحرمات، فلهذا لا أرى مانعًا أن تلتزم المرأة بما يلتزم به أخوها الرجل، ما دامت بالغة عاقلة حاملة للمسؤولية مثله، وقد قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة:228]. لكن إن باشرت عقد نكاح نفسها فيكون ذلك بإذن  الولي وعلمه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ([1]) مغني المحتاج (3/149-150).

([2])  رواه أبو داود (2117)، وابن حبان (4072) وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح، والحاكم (2/181) وصححه علي شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ثلاثتهم في النكاح، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1842).

([3])  رواه أحمد (27408) وقال مخرجوه: رجاله ثقات، وأبو داود (2107)، والنسائي (3350)، والحاكم (2/181) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

([4]) نيل الأوطار (6/202).

([5]) انظر: أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، لعبد الوهاب خلاف - دار الكتب المصرية بالقاهرة، ط: الثانية 1357ه- 1938م.

([6]) واشترط أبو حنيفة أن تزوجها نفسها من كفء. انظر: التجريد للقدوري (9/ 4237) مسألة (1027).

([7]) التجريد (9/4352) مسألة (1038).


التعليقات