حكم إجبار الأب ابنتَه البالغة على الزواج بمن لا ترضاه (1)

ومما اختلف الفقهاء فيه: هل للأب ولاية إجبار على البكر البالغة العاقلة، قال ابن رشد: (أما البكر البالغ فقال مالك والشافعي([1])، وابن أبي ليلى: للأب فقط أن يجبرها على النكاح. وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأبو ثور وجماعة: لا بد من اعتبار رضاها، ووافقهم مالك في البكر المعنسة على أحد القولين عنه)([2]).

والحق أن الأدلة مع وجوب استئذان البكر، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلـم جملة أحاديث توجب استئمار الفتاة أو استئذانها عند زواجها، فلا تُزوَّج بغير رضاها، ولو كان الذي يزوِّجها أبوها. منها ما في الصحيحين: "لا تُنكح البكر حتى تُستأذن". قالوا: وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت"([3]). "البكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها"([4]). "الثيب أحق بنفسها، والبكر يستأذنها أبوها"([5]).

وفي السُّنَن من حديث ابن عباس: أن جارية بِكْرًا أتت النبي صلى الله عليه وسلـم، فذكرت أن أباها زوَّجها وهي كارهة، فخيَّرها النبي صلى الله عليه وسلـم([6]).

وعن عائشة: أن فتاة دخلت عليها، فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته. وأنا كارهة! قلتُ: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلـم. فأخبرتُه، فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله، قد أجزتُ ما صنع أبي، ولكن أردتُ أن يعلم الناس أن ليس للآباء من الأمر شيء([7]).

والظاهر من حالة هذه المرأة أنها بِكْر، كما قال صاحب "سبل السلام"([8]). ولعلَّها البكرُ التي في حديث ابن عباس، وقد زوَّجها أبوها كُفْئًا: ابن أخيه. وإن كانت ثيِّبًا، فقد صرحت أن ليس مرادها إلا إعلام النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء! ولفظ (النساء) عام للبكر والثيب. وقد قالت هذا عنده صلى الله عليه وسلـم، فأقرَّها عليه.

وكأن هذه الفتاة الراشدة البصيرة أرادت أن تُوَعِّي بنات جنسها بما جعل لهن الشارع من الحق في أنفسهن، حتى لا يتسلَّط عليهنَّ بعض الآباء، أو مَن دونهم من الأولياء، فيزوِّجوهن بغير رضاهن لمن يكرهنه ويسخطنه، وقال الإمام الشوكاني في (نيل الأوطار): ((ظاهر الأحاديث أن البكر البالغة إذا تزوَّجت بغير إذنها لم يصح العقد. وإليه ذهب الأوزاعي والثوري والعِتْرة والحنفية، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم))([9]).

وقبل الشوكاني قال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه: ((إن استئذان البكر البالغة واجب على الأب وغيره، وإنه لا يجوز إجبارها على النكاح، وإن هذا هو الصواب، وهو رواية عن أحمد واختيار بعض أصحابه، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره.. وقال: إن جعل البَكارة موجبة للحَجْر([10]) مخالف لأصول الإسلام، وتعليل الحجر بذلك تعليل بوصف لا تأثير له في الشرع.

قال: والصحيح أن مناط الإجبار هو الصِّغَر، وأن البِكْر البالغ لا يُجبرها أحد على النكاح؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلـم أنه قال: "لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تُستأمر". فقيل له: "إن البكر تستحي؟". فقال: "إذنها صمتها"([11]). وفي لفظ في الصحيح: "البكر يستأذنها أبوها"([12]).

فهذا نهي النبي صلى الله عليه وسلـم: لا تُنكح حتى تستأذن. وهذا يتناول الأب وغيره، وقد صرَّح بذلك في الرواية الأخرى الصحيحة؛ وأن الأب نفسه يستأذنها.

وأيضًا فإن الأب ليس له أن يتصرَّف في مالها إذا كانت رشيدة إلا بإذنها، وبُضْعها  أعظم من مالها، فكيف يجوز أن يتصرف في بُضعها مع كراهتها ورُشدها؟

وأيضًا: فإن الصِّغَر سببُ الحجر بالنصِّ والإجماع، وأما جعل البكارة موجبة للحجر فهذا مخالف لأصول الإسلام؛ فإن الشارع لم يجعل البكارة سببًا للحَجْر في موضع من المواضع المجمع عليها، فتعليلُ الحجر بذلك تعليلٌ بوصف لا تأثير له في الشرع.

وأيضًا: فإن الذين قالوا بالإجبار اضطربوا فيما إذا عيَّنتْ كفئًا، وعيَّن الأب كفئًا آخر: هل يؤخذ بتعيينها؟ أو بتعيين الأب؟ على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد.

فمَن جعل العِبرة بتعيينها نقض أصله، ومن جعل العِبْرة بتعيين الأب كان في قوله من الفساد والضرر والشر ما لا يخفى؛ فإنه قد قال النبي صلى الله عليه وسلـم في الحديث الصحيح: "الأيم أحق بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن، وإذنها صماتها". وفي رواية: "الثيب أحق بنفسها من وليها"([13]). فلما جعل الثيب أحق بنفسها؛ دل على أن البكر ليست أحق بنفسها؛ بل الولي أحق، وليس ذلك إلا للأب والجد. هذه عمدة المُجبرين، وهم تركوا العمل بنص الحديث وظاهره، وتمسَّكوا بدليل خطابه، ولم يعلموا مراد الرسول صلى الله عليه وسلـم. وذلك أن قوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها". يعمُّ كل ولي، وهم يخصُّونه بالأب والجد. والثاني قوله: "والبكر تُستأذن". وهم لا يوجبون استئذانها؛ بل قالوا: هو مستحبٌّ، حتى طرد بعضهم قياسه؛ وقالوا: لما كان مستحبًّا اكتُفي فيه بالسكوت. وادعى أنه حيث يجب استئذان البكر فلا بد من النطق. وهذا قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد.

وهذا مخالف لإجماع المسلمين قبلهم، ولنصوص رسول الله صلى الله عليه وسلـم، فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة المستفيضة واتفاق الأئمة قبل هؤلاء: أنه إذا زوَّج البكرَ أخوها أو عمُّها؛ فإنه يستأذنها، وإذنها صماتها.

وأما المفهوم: فالنبي صلى الله عليه وسلـم فرَّق بين البكر والثيب، كما قال في الحديث الآخر: "لا تُنكح البكر حتى تُستأذن، ولا الثيب حتى تُستأمر"([14]). فذكر في هذه لفظ (الإذن)، وفي هذه لفظ (الأمر). وجعل إذن هذه الصمات، كما أن إذن تلك النطق. فهذان هما الفرقان اللذان فرق بهما النبي صلى الله عليه وسلـم بين البكر والثَّيِّب، لم يفرِّق بينهما في الإجبار وعدم الإجبار؛ وذلك لأن (البكر) لما كانت تستحِي أن تتكلم في أمر نكاحها لم تُخطب إلى نفسِها، بل تُخطب إلى وليِّها، ووليُّها يستأذنها، فتأذن له؛ لا تأمره ابتداء: بل تأذن له إذا استأذنها، وإذنها صِمَاتها. وأما الثيِّب فقد زال عنها حياء البِكْر، فتتكلم بالنكاح، فتُخطب إلى نفسها، وتأمر الوليَّ أن يزوِّجها. فهي آمِرة له، وعليه أن يُطيعها فيزوِّجها من الكفء إذا أمرته بذلك، فالولي مأمور من جهة الثيب، ومستأذن للبكر. فهذا هو الذي دل عليه كلام النبي صلى الله عليه وسلـم.

وأما تزويجها مع كراهتها للنكاح: فهذا مخالف للأصول والعقول، والله لم يسوِّغ لوليِّها أن يُكرهها على بيع أو إجارة، إلا بإذنها، ولا على طعام أو شراب أو لباس لا تريده، فكيف يكرهها على مُباضعة [أي: جماع] من تكره مُباضعته، ومعاشرة من تكره معاشرته؟! والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة، فإذا كان لا يحصل إلا مع بُغضها له، ونفورها عنه؛ فأي مودة ورحمة في ذلك؟!))([15])اه.

وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) بعد ذِكْر ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلـم من وجوب استئذان البكر: ((وموجَب هذا الحكم ألَّا تُجبرَ البكرُ البالغ على النكاح، ولا تزوَّج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين لله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلـم وأمره ونهيه، وقواعد شريعته ومصالح أمته..)) وأفاض في بيان ذلك رضي الله عنه([16]).

وهذا أيضًا ما أدين الله به، ولا أعتقد سواه، وإن قال من قال بخلاف ذلك.

____________________________________________

([1]) والجد كالأب عند الشافعي كما سنبين.

([2]) بداية المجتهد (3/43).

 ([3]) متفق عليه: رواه البخاري (5136)، ومسلم (1419)، كلاهما في النكاح، عن أبي هريرة.

 ([4]) رواه مسلم (1421) في النكاح، وأحمد (2163)، عن ابن عباس.

 ([5]) رواه مسلم في النكاح (1421) عن ابن عباس.

 ([6]) رواه أحمد (2469) وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح على شرط البخاري, وأبو داود (2096)، وابن ماجه (1875)، كلاهما في النكاح, ورجح أبو داود إرساله, وقال الحافظ في الفتح (9/196): الطعن في الحديث لا معنى له، فإن طرقه يَقْوى بعضُها ببعض.

 ([7]) رواه أحمد (25043) وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح, والصواب أنه من حديث ابن بريدة عن عائشة، وابن ماجه في النكاح (1874)، والنسائي في النكاح (3269)، والدارقطني في السنن (4/334-336)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (10/48) من حديث عائشة رضي الله عنها. قال الدارقطني: هذه كلها مراسيل، ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئًا. وكذا قال البيهقي عقبه: وفي إجماع هؤلاء على إرسال الحديث دليل على خطأ رواية من وصله والله أعلم.

([8]) سبل السلام شرح بلوغ المرام (2/179).

([9]) نيل الأوطار (6/147).

 ([10]) يعني هنا بالحجر: الإجبار على الزواج.

 ([11]) صحيح البخاري، كتب النكاح، باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها، جـ 7 صـ 17 رقم 5137

([12]) رواه مسلم في النكاح (1421) عن ابن عباس.

 ([13] ) رواه مسلم في النكاح (1421) عن ابن عباس.

 ([14]) متفق عليه من حديث أبي هريرة

 ([15]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (32/23-25).

 ([16]) زاد المعاد في هدي خير العباد (5/88).


التعليقات