رد على أغاليط د.

منذ يومين خرج د. "أحمد الريسوني" الذي وُضِع على رأس الاتحاد العالميّ لعلماء المسلمين قبل أشهر، بمقال حمل عنوان: "مستقبل الإسلام بين الشعوب والحكـام"، ملأه بالخلط والتلبيس، وتجاهل النصوص القطعية، وخرق ما أجمعت عليه الأمة سلفا وخلفا حول موضوع إقامة الدولة، أو نصب الخليفة، من المنظور الشرعيّ الإسلاميّ.

ومن خلال ما كتبه د. "الريسوني" في هذا المقال، وكتاباته وأحاديثه الأخرى التي قرأناها وسمعناها منه، نراه يُلحّ على فكرة علمانية منكَرة، يكررها من حين لآخَر؛ وهي أن السعي لإقامة الدولة أو العمل على إيجاد الخلافة، ونصب الخليفة، ليس له أصل في كتاب أو سنة، وأن هذه فكرة مبنية على مجرد الاجتهاد والاستنباط، ومن ثم ينبني عليها أن لا علاقة لدين الله بالحكم والسياسة، ويصبح العمل لإيجاد نظام سياسيّ إسلاميّ يتمثل في دولة تقوم عليه أمرًا لا ضرورة له، وكأنه لم يطالِع ما كتبه أولو العلم وقرروه في تراثنا العظيم بتنوعه وثرائه !!

ومن المريب فيما حمله المقال المذكور أنّ د. "الريسوني" يحاول أنْ يصور قضية إقامة الدولة أو الخلافة الإسلامية على أن الذين يتبنونها في الغالب أو في المطلق هم منسوبو الحركات الإسلامية، وليست قضية شرعية أصيلة لدى أهل العلم، مستمدة من الكتاب والسنة والإجماع !!

فهل هذه رسالة مقصودة منه إلى جهات معينة، لخدمة أهداف وتوجّهات محددة، لا سيما تلك الأنظمة التي تناهض الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وتحارب ما يسمونه "الإسلام السياسي"؛ أم هي تنفيسٌ عما يضمره في صدره من تحاملٍ على "الإخوان المسلمين"، يستعلن به حينا، ويتكلف إخفاءَه أحيانا؟!

ربما تكشف الأيام عن هذا، وربما تأتي الفرصة المناسبة للحديث في هذا الأمر.

أما عن موضوع السعي لإقامة الدولة أو الخلافة الإسلامية، الذي يستميت د. "أحمد الريسوني" ـ في جعله دخيلا على الإسلام، لا ينبغي للمسلمين الاشتغال به؛ كونه يشكل ـ في أحسن تقديراته ـ "أضعف عروة مِن عرى الإسلام"؛ فسوف نتناول الرد عليه على النحو التالي:
هناك ثلاثة أمور تتعلق بموضوع إقامة الدولة أو الخلافة الإسلامية:
1ـ بيان علاقة الإسلام بشؤون الناس المعاشية، ومكانة الدولة في الإسلام، ومدى إلزام الأمة ـ شرعا ـ بالعمل لإقامتها.
2ـ ملامح نظام الحكم وشكل الدولة في المنظور الشرعيّ.
3ـ إمكانية تحقيق الدولة، أو الخلافة الإسلامية في هذا العصر.ويمكن أن يضاف إليها أمرٌ رابع؛ وهو: المنهج المناسب في عصرنا للعمل من أجل إقامة نظامِ حكمٍ إسلاميّ، في ظل دولة إسلامية.
تحرير محل النزاع:
وكي لا يتشعب بنا الحديث؛ فإننا نشير إلى أنّ نقطة الاختلاف بيننا وبين د. "الريسوني" منحصرة في الأمر الأول، وهو: "تحديد مكانة الدولة في الإسلام، ومدى إلزام الأمة ـ شرعا ـ بالعمل لإقامتها".

علاقة الإسلام بشؤون الناس المعاشية:

من المؤسف أن كلام د. "الريسوني" ـ قَصَد أم لم يقصد ـ إنما يصب في مصلحة العلمانيين الداعين إلى إقصاء الإسلام عن الحياة عامة، ويخدم بشكل مباشر ما أسماها الشيخ "محمد الخضر حسين" ـ يرحمه الله ـ "ضلالة فصل الدين عن السياسة" خاصة، من منطلق الترويج إلى أنه دين روحيّ فقط .. ولا يقول بهذا إلا مَن يجهِل أو يتجاهل خصائص الدين الحنيف.
لقد تفرّد الإسلامُ بخصائصَ ميّزه الله عزّ وجلّ بها، ولا توجَد في أيِّ نظامٍ أو مذهبٍ أوْ دينٍ غيرِه.
ومِن هذه الخصائص أنَّ الله تعالى جعل هذا الدِّينَ شاملا لكل ما يحتاجه الناس في أمور معاشِهم وأمورِ معادِهم، وجميعِ شئون الخَلْق الدنيوية والأخروية.
فهو ليس دينا رُوحيًّا فقط؛ بل تضمّنتْ تشريعاتُه كلَّ ما يُنظِّمُ علاقة الإنسان بربّه، وعلاقتَه بنفسه، وعلاقته بالناس، وعلاقتَه بالكون.
ـ
وهناك مَن يطعن في هذه الخَصِيصَةِ (الشمولية)، ويزعمُ أنّها اختراعٌ ابتدعتْه بعض الحركات الإسلامية المعاصرة ـ أو ما يُسمُّونها "جماعات الإسلام السياسيّ" ـ لأهدافٍ سياسية، أما الإسلام ـ في نظرهم ـ فهو دينٌ روحيٌّ مقصورٌ على ما يُنظِّم علاقة الإنسان بالله فقط ..

لقد روّج العلمانيون ـ متابعين في هذا معلِّميهم من المستشرقين والمنصِّرين ومَن سَلَك مسلكهم ولَفّ لَفّهم ـ إلى أن الإسلام لا يملك سوى نظامٍ روحيٍّ مقصورٍ على تنظيم العلاقة بين الفرد وربه فقط، فهو محصور في إطار القفص الصدريّ للإنسان، وإن تجاوزه فلا يزيد ــ في زعمهم ــ عن جدران المساجد وبيوت العبادة !!

إن الناظر في القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ ــ وهما المصدران الرئيسان للتشريعات الإسلامية ــ لَيُدرك بما لا يدع مجالا للريب شمولية منهج الإسلام ونظمه لكافة شئون الخلق في معاشهم ومعادهم، وذلك من خلال النصوص التشريعية المتنوعة، التي ترسم للناس معالم الحياة الراشدة في الدارين، وتدحض أباطيل العلمانيين ومَن لَفّ لفَّهم.

إنّ أطول آية في القرآن العزيز ـ وهي الآية رقم (282) من سورة البقرة ـ لم تتحدث عن شأنٍ روحيٍّ كالصلاة، أو ذكر الله، أو الاستغفار، أو الخوف والرجاء ... ونحو هذا من الأمور الروحية المحضة؛ بل تحدثت مع الآية التي تليها والآيات التي تقدّمتها عن أمور تشريعية اقتصادية وقضائية هامة، حتى أَطلَق عليها علماؤُنا «آية الدَّين».

وغير خافٍ أن القرآن الكريم وسنة النبي عليه الصلاة والسلام قد تضمنا الحديث عن سائر الأمور المعاشية، وجوانب المعاملات المختلفة بين الناس، ووضعا قواعدها وأصولها، كالزواج، والطلاق، والميراث، والجوار، والأطعمة والأشربة، والقضاء، والحُكم، والشورى، والحدود، والمعاهدات، والحروب، والديات، والقصاص، والربا، والبيع، والشراء، والكون والبيئة، كل هذا جنبا إلى جنب مع الحديث عن الصلاة والطهارة والصيام والحج، وسائر الأمور التعبدية.

ومن نظر في تراثنا الإسلاميّ مِن فقه وتفسير وحديث وغيره؛ تبين له كيف تناول علماؤنا وفقهاؤنا كلَّ مشكلات الحياة، لا سيما ما كان في عصورهم، وقالوا فيها كلمتَهم وفق شرع الله تعالى، حتى خلّفوا وراءهم مصنفات تشريعية هائلة مستوعِبة لقضايا الناس ومشكلاتهم المختلفة، متضمنة لمنظومة واسعة من المبادئ، والأسس والقواعد الكلية التي يُبنى عليها ويُسترشَد بها في التعرف على أنظمة الإسلام واستلهامها في كل عصر، الأمر الذي يدلُّ على أنه ما مِن واقعة إلا وللإسلام فيها رأْي، ولله فيها حُكم.

لقد صدّر د. "الريسوني" مقاله بكلام معسول حين قال ـ وقوله صحيح ـ: "ولا شك أن الدولة الإسلامية أو الحكم الإسلامي هي عروة من عرى الإسلام، وحصن حصين للحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي. ولذلك فإن الانشغال بأمر إقامتها وبذل الجهود والتضحيات في سبيلها أمر مشروع ومعتبر" ..

إلا أنّ الناظر في مقاله يدرك أن هذه الكلمات ما كانت سوى مقدار العسل الذي أعدّه الكاتب ليخلط به السموم؛ حيث إنه سرعان ما استدار للخلف، وطفق يفرغ عصارة فكره الذي شذّ به عن إجماع الأمة حول "تحديد موقع الدولة ومكانتها في الإسلام"، قائلا: "لا نجد في شـرع الله تعالـى نصا صريحا آمرا وملزما بإقامة الدولة، كما لا نجد في شأنها نصوصا في الترغيب والترهيب على غرار ما نجد في سائر الواجبات. وإنما تقرر وجوب إقامة الدولة، ووجوب نصب الخليفة، من باب الاجتهاد والاستنباط، ومن باب النظر المصلحي والتخريج القياسي، وامتداداً للأمر الواقع الذي تركه رسول الله.

وفي جميع هذه الحالات، فإن وجوب الدولة والخلافة إنما هو من باب الوسائل لا من باب المقاصد".
ثم شرع في السفسطة فقال: "فهي (أي الدولة) من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به فهو اجب. بمعنى أن هذا الواجب ليس من نوع "الواجب لذاته" وإنما هو من نوع "الواجب لغيره". ومعلوم أن الواجب لغيره أخفض رتبة وأقل أهمية من الواجب لذاته".
إن المرء ليتعجب من منطق هذا الكاتب الذي يحلو لتلاميذه وحوارييه أن يَسِموه بالعلامة المقاصديّ؛ كيف يتقول بهذا الكلام، وينطق بهذا التلبيس؟!!

ألم يقرأ في كتب الفقه ومصنَّفات السياسة الشرعية، بل في كتب أصول الدين، ما استفاضت به من أدلة القرآن والسنة، وتواترت بحكاية وذكر الإجماع منذ عصر الصحابة، ومرورا بعلماء السلف، ووصولا إلى عصرنا على وجوب سعي الأمة لإقامة الدولة، والعمل لإيجاد كيان سياسيّ يجمع شمل المسلمين، أساسه الحكم بما أنزل الله؟!!

واغلب ظني أنه قرأ هذا؛ لكني في ريب من مقصده فيما يذهب إليه من تهوين شأن الدولة وأمْر الحكم والسياسة في الإسلام، وتعمده إثارة الغبار حول مكانة هذا الأمر وأهميته، وخطورة شأنه.

أما الأدلة النقلية والنصوص الشرعية التي أوردها أهل العلم على وجوب سعي الأمة لإقامة إمام حاكم يقودها بشرع الله تعالى، ودولة يلتئم في ظلها شمل المسلمين ـ وتجاهلها الريسوني ـ؛ فأكثر من أن تُحصَى في هذا المقام، ونكتفي ببعضها فيما يأتي:
قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [سورة الحج: 41].وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
وقال الله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [سورة المائدة: 49].
وقال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سورة المائدة: 44].
وقال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [سورة المائدة: 45].
وقال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة المائدة: 47].
وقال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [سورة النساء: 58].

وعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خَلَع يدا مِن طاعة؛ لقي الله يوم القيامة لا حُجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية» (رواه مسلم).
وقال الشوكانيّ في (السيل الجرار): ثم من أعظم الأدلة على وجوب نصب الأئمة وبذل البيعة لهم؛ ما أخرجه أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه من حديث الحارث الأشعري بلفظ: "من مات وليس عليه إمامُ جماعةٍ فإن موتته موتة جاهلية"، ورواه الحاكم من حديث ابن عمر ومن حديث معاوية ورواه البزار من حديث ابن عباس.

وقال صلى الله عليه وسلم: «تلْزم جمَاعَة الْمسلمين وإمامهم» (جزء من حديث متفق عليه، من رواية حذيفة).
وعن الحارث الأشعريّ، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنا آمركم بخمسٍ اللهُ أمرني بهن، السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة؛ فإنه مَن فارق الجماعة قَيْد شبرٍ فقد خَلَع رِبْقَةَ [يعني عَقْد] الإسلام من عنقه إلا أن يرجع» (رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب، وأحمد، والطبرانيّ، والحاكم، وقال: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ)
وأما الإجماع فأظهر وأشهر مِن أن يخفى على طالب شادٍ من العلم، ويكفي أن نثبت هنا بعض النقول الموفية بالمطلوب، وهناك أضعافها تزخر بها الأسفار مِن مصنَّفات العلماء الأخيار.
يؤكِّد الإمام القرطبيّ (المتوفى: 671هـ) في تفسيره: ما أجمع عليه أهل العلم من وجوب نصب إمام وخليفة يُسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به الأحكام.
وقال: «ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة؛ إلا ما روي عن الأصم [أحد كبار المعتزلة] حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه».
وبعد أن ساق الأدلة قال: «فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين».
وقال ابن حزم الظاهريّ (المتوفى: 456هـ) في (الفصل في الملل والأهواء والنحل): «اتفق جميع أهل السّنة وجميع المرجئة وجميع الشِّيعة وجميع الخوارِج على وجوب الإِمامة وأَن الأمة واجِب عليها الانقياد لإِمام عادل يُقيم فيهم أَحكام الله ويسوسهم بأَحكام الشَّريعة التي أَتَى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حاشا النجدات من الخَوارِج».
وقال عبد الرحمن بن محمد بن خلدون (المتوفى: 808هـ) في تاريخه: «ثمّ إنّ نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشّرع بإجماع الصّحابة والتّابعين لأنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه وتسليم النّظر إليه في أمورهم وكذا في كلّ عصر من بعد ذلك ولم تترك النّاس فوضى في عصر من الأعصار، واستقرّ ذلك إجماعا دالا على وجوب نصب الإمام».

وقال العلامة الطاهر بن عاشور (المتوفى: 1393هـ) في (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام ط 2): «فإقامة حكومة عامة وخاصة للمسلمين أصل من أصول التشريع الإسلامي، ثبت ذلك بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة، بلغت مبلغ التواتر المعنوي، مما دعا الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ إلى الإسراع بالتجمع والتفاوض لإقامة خلف عن الرسول في رعاية الأمة الإسلامية، فأجمع المهاجرون والأنصار يوم السقيفة على إقامة أبي بكر الصديق خليفة عن رسول الله للمسلمين.
ولم يختلف المسلمون بعد ذلك في وجوب إقامة خليفة إلا شذوذا لا يُعبأ بهم من بعض الخوارج وبعض المعتزلة نقضوا الإجماع، فلم تلتفت لهم الأبصار ولم تصغ لهم الأسماع.

ولمكانة الخلافة في أصول الشريعة ألحقها علماء أصول الدين بمسائله، فكان من أبوابه الإمامة».
ثم قال ـ تحت عنوان: (صفة الحكومة الإسلامية ونزعتها) ـ:
«قد حصل العلم من مجموع المباحث المتقدمة بأن إقامة الحكومة للأمة الإسلامية أمر في مرتبة الضروري؛ لأنه لا يستقيم حال الأمة بدون حكومة».
وهكذا نرى أن القرآن الكريم وصحيح السنة المطهرة قد أكدا على وجوب إقامة الدولة ونصب الإمام، وأن الإجماع منذ عصر الصحابة ومَن بعدَهم حتى عصرنا قد انعقد على هذا الأمر ..
ولقد وقف العلماء في وجه كل دعوة شذّ بها صاحبها في هذا الأمر، من أمثال "علي عبد الرازق" في القرن الماضي.
على أن العلماء كانوا يردون على هؤلاء المخَذِّلين ويؤكِّدون على وجوب إقامة الدولة والدفاع عن مبدأ الخلافة في وقتِ تراجُعِ الأمة الإسلامية، وظهورِ أعدائها عليها، مع علمهم وإدراكهم لهذا الواقع المرير، وعدم إمكانية فعل شيء؛ لكنهم فعلو هذا كي لا تضيع معالم الدين، وينحرف الفهم عن الصواب، والحقُّ أحق أن يُتّبَع ..
بل إن الأزهر الشريف قام عقب إعلان إلغاء الخلافة العثمانية بعقد مؤتمر، دافع فيه عن الخلافة، وبيّن الأحكام الشرعية الخاصة بها ...

وفي ذات الأثناء وفي قلب أوربا كتب العملاق "عبد الرزاق السنهوري" كتابه الفذّ "فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية"، دافع فيه عن الخلافة، وقام يؤصّلها، ويفنّد شبهات "علي عبد الرازق"، ويُسقط دعواه أنّ الإسلام نظام دينيّ روحانيّ بحت ..

كل هذا مع أن الأمة كانت ولا زالت في حال لا تُحسَد عليها ..

وفي الختام أقول ـ في ضوء ما تعلمناه من أئمتنا ـ: ما ذهبْتُ إليه من رأي في هذا الموضوع أحسبه ـ من وجهة نظري ـ صوابا يحتمل الخطأ، والرأي الآخر ـ من وجهة نظري ـ خطأ يحتمل الصواب .. وغفر الله لنا وللدكتور "الريسوني" .. وبصّرنا بالحق، ووَفَّقَنا لاتباعه.


التعليقات