النظام الأخلاقي في الإسلام وأثره على الأسرة

من أهداف الخُلقية الإسلامية: إنشاء الأسرة المتماسكة، وهذا لا يتمُّ إلا إذا بدأت بداية صحيحة، وسارت في طريق سليم، وحَمَت نفسها من الأوبئة والآفات التي تمزق كيانها، وتُخِلُّ ميزانها، وتهدم إيمانها.

ولهذا يرى الإسلام أن الفرد لا يستطيع أن يعيش وحده؛ لأنه مخلوق اجتماعي، ولا يُحقِّق الهدف من خلقه إلا أن ينضمَّ إلى غيره، وأول انضمام من الإنسان إلى غيره هو انضمام المرأة إلى الرجل، وإنضمام الرجل إليها، عن طريق الزواج الشرعي، حين يلتقيان على التراضي والتوافق بعقد متين، مشهود عليه، مُوثَّق بالمهر الذي يدفعه الرجل نِحْلةً وهبةً منه، وحقًّا لها عليه، كما قال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا}[النساء:4].

ولا بدَّ للناس أن يعرفوا هذا الارتباط الزوجي، وكلما اتَّسع نطاق العلم به كان أوْفى وأوْلى، ولكن على الأقل الحد الأدنى، وهو وجود شَاهِدَيْن، عند وجود ظروف صعبة تمنع من شيوع الأمر.

ولا يجيز الإسلام للجنسين أن يستمتع كلاهما بالآخر من الناحية الجنسيَّة بغير هذا العقد، فهذا هو سبب الفوضى واندلاع الشرور والفساد في العالم: أن ينتشر الزنى ويتفاقم، ويصبح أشبه بالوباء الكاسح.

ويعوق الناسُ الزواجَ بإرادتهم، ويعوقونه بما يضعون من عراقيلَ وشروطٍ ما أنزل الله بها من سلطان، ولا قام عليها من الدين برهان، وقد أوصى الإسلام هنا بتيسير المهور، والتَّسهيل على الناس، ليتزوَّجوا بغير صعوبة، ولذا قال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}[النور:32]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"([1]).

وقال: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأةُ الصالحة"([2]).

فعلى الشاب المسلم أن يبحث عن الصلاح قبل أن يبحث عن المال والنسب والجمال.

وقال الرسول الكريم: "تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها. فاظفر بذات الدين تربت يداك"([3]).

أوصى الإسلام الزوجين أن يصدق كلٌّ منهما في تعايشه وتعامله مع صاحبه، الذي سمَّاه القرآن: {الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ}[النساء:36]. وأن يكونا في الصورة اثنين، وفي الروح واحدًا، ولذلك سُمِّي كلٌّ منهما (زوجًا)؛ لأن كلًّا منهما يعبِّر عن صاحبه، كما بيَّن تعالى: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}[آل عمران:195]. فالرجل من المرأة، والمرأة من الرجل، كلٌّ منهما مُكمِّل للآخر، ولا يستغني أحدهما عن الآخر.

وإذا قامت العلاقة بين الزوجين، فإنها تقوم على الدعائم الأصيلة التي ذكرها القرآن: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[الروم:21].

وعلى كلٍّ من الزوجين أن يبنيا العلاقة على هذه الأصول والأركان: السكون النفسي، والمودَّة والرحمة، وهاتان المودة والرحمة تنتقلان من الزوجين إلى أسرتهما وأقاربهما، وبهذا تتَّسع المودة والرحمة في المجتمع كله. ولهذا عبَّر عنها بهذا اللفظ {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ}، أي: بين الزوجين والأصهار.

وعلى كلٍّ من الرجل والمرأة أن يرعى حقَّ الآخر، ويتشاورا في الأمور، ولا يحاول كلٌّ منهما أن يفرض رأيه على الآخر، فإن أفضل الحياة ما قام على الحب، لا على النُّفْرة أو القوة أو الاستعلاء.

القرآن يوصي الرجال بالرِّفق بالنساء:

ويوصي القرآن الرجال خاصَّة أن يصبروا على النساء ويرفقوا بهنَّ، وأن يعاملوهن بالرقة والطيبة والألفة، فهي التي تجعل للحياة معنًى وهدفًا، وتبعد الشقاقَ والنزاع من حياة الأسرة، ولذا قال الله تعالى في سورة النساء: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا * وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}[النساء:19-21].

ويحرص الإسلام على أن ينال كلٌّ من الزوجين حظَّه الجنسيَّ من صاحبه، فهو حقٌّ لكلٍّ منهما على الآخر، ما عدا الأوقات المحظورة؛ مثل أن تكون المرأة حائضًا، ومثلها النفساء (أي التي في حالة الولادة). قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}[البقرة: 222-223].

على الزوجين أن يصبر كلٌّ منهما على الآخر:

وعلى المرأة أيضًا أن تصبر على زوجها، وتعلم أن استمرار الحياة لا بدَّ له من تضحية وبذل، وصبر ومصابرة.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يَفْرَكُ مؤمنٌ مؤمنةً؛ إنْ كره منها خلقًا، رضيَ منها آخر"([4]). فعلى الرجل ألا يكون مغاليًا، يطلب الكمال في كلِّ شيء، فإن مَن طلب ذلك تعب وأتعب غيره، فالعاقل مَن يوازن بين الأمور، ويتسامح في بعضها، ويعلم أن الناس بشر ليسوا ملائكة ولا أنبياء، ولا بدَّ لكلِّ إنسان من هفوة، ولكلِّ ماشٍ من كبْوة، وليَعفُ وليَصفَحْ، فإنَّ الله غفور رحيم.

وخصوصًا إذا أصبح بين الزوجين أولاد، ولا بدَّ للأسرة من أن تسعى إلى ذلك، وأن يُعالَج ما يحتاج إلى علاج وطب، فما من داء إلا له دواء.

وقد أمر الرسول الزوج حين يعاشر امرأته أن يقول: "باسم الله، اللهم جنِّبْنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رزقتنا"([5]).

الفرح بالأولاد ذكورًا وإناثًا والتعاون في تربيتهم:

وإذا رزقهما الله بطفل فرحًا به، وقرَّت به أعينهما، ذكرًا كان أو أنثى، كما قال الله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا}[الشورى:49-50].

بدأ الله تعالى بهبة الإناث قبل هبة الذكور، ولذا شاع بين المسلمين: خير النساء من بكَّرت بأنثى.

ولا يجوز أن يصنع الزوجين أو أحدهما ما كان يصنع أهل الجاهليَّة العربية، {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ}[النحل:58].

وقد ذكر الله لنا في سورة آل عمران قصة أم مريم، حين قالت: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[آل عمران:35-36]. وكانت مريم أنثى خيرًا من كثير من الذكور، وكانت أمًّا للمسيح عيسى بن مريم، وقد فضَّلها الله وطهَّرها واصْطفاها على نساء العالمين.

وعلى الوالدين– ومِن ورائهما المجتمع- أن يتعاونوا على حُسن تربية الأولاد، ذكورًا وإناثًا، وأن يُحسنوا تعليمهم وتهذيب أخلاقهم، ويدخلوهم المدارس، ويفتحوا لهم الطريق إلى الجامعات، وإلى أعلى المراتب، وأن يغرسوا بذور الأخوة والمحبة والإيثار بين الأبناء بعضهم وبعض، وهذه البذور هي البداية للأخوة العامة بين المؤمنين التي قال الله عنها: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات:10]. {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}[آل عمران:103]. وفي الحديث: "وكونوا عباد الله إخوانا"([6]). فالأخوة تقتضى المساواة والمحبة، والتعاون والتكافل.

وكلُّ أخ هو عضوٌ في الأسرة، يؤْثرها على نفسه، ويفديها بروحه، ويتعب لتستريح، ويسهر لتنام، ويتلقى السهام لتأمن، وهي تبادله هذه الروح وهذه العواطف، وحين تنزل محنة بأحدهم يصيب الجميع الحزن والنصب، وإذا نزلت الفرحة عمَّ الجميع الفرح.

والأسرة في الإسلام هي الأسرة الموسَّعة الممتدة، التي تشمل الآباء والأجداد، والأولاد والأحفاد، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وأزواجهم وأولادهم، كما قال تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}[الأنفال:75].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- رواه الترمذي (1084) موصولًا ومرسلًا- وإنما يعني بقوله: مرسلا، انقطاع ما بين ابن عجلان وأبي هريرة- وقد رجَّح البخاري المنقطع على المتصل، وابن ماجه (1967)، كلاهما في النكاح، وحسَّنه الألباني في الصحيحة (1022)، عن أبي هريرة.

[2]- رواه مسلم في الرضاع (1467)، وأحمد (6567)، والنسائي (3232)، وابن ماجه (1855)، كلاهما في النكاح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

[3]- متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (5090)، ومسلم في الرضاع (1466)، كما رواه أحمد (9521)، عن أبي هريرة.

[4]- رواه مسلم في الرضاع (1469)، وأحمد (8363)، وأبو يعلي في مسنده (6418)، عن أبي هريرة.

[5]- متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (141)، ومسلم في النكاح (1434)، عن ابن عباس.

[6]- متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (6064)، ومسلم في البر والصلة (2563) (28)، عن أبي هريرة.


التعليقات