ذكرى الهجرة ... الأمة تعاني مخاض التغيير وآلامه

ذكرى عام هجري جديد يأتي والأمة أحوج إلى تمثل الهجرة من جديد بكل معانيها، إن المتأمل في مقالة الرسول وهو على مشارف مكة مودعا، يدرك حجم الألم الذي يعتصر فؤاد الرسول وهو يترك محضن التوحيد ومحل البيت العتيق إلى أرض لم تألفه ولم يألفها، لكنها ضريبة التغيير، مخاض التحول وآلامه.
وما أشبه الليلة بالبارحة، الأمة اليوم أشد ما تكون إلى هجران حالها، هجران التبعية إلى الاستقلال، هجران الجهل إلى العلم، هجران التفكك إلى الوحدة، هجران الحرص على حياة أي حياة إلى طلب الحياة الحقة، هجران السفاسف إلى المعالي، هجران الأنانية وحب الذات إلى الإيثار وحب الدار الآخرة، هجران الدين المحرف إلى الدين الأصيل، هجران القعود والخنوع والذل إلى ذروة سنام الإسلام وشرفه الجهاد في سبيل الله.
إن الهجرة لا تمثل يوما في العام نحكي فيه الحكايا، ونقصص فيه القصص، بل منهاج حياة علينا أن نأتسيه، وسلوك نبوي لابد أن نسير عليه، إن معاني التضحية بالوطن والمال والعشيرة والأهل والولد والتجارة والراحة والإلف والعادة عادت من جديد تظلل حياة دعاة الإصلاح وطلاب التغيير، ولن يَصْلُح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وفاء لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية لا يحول دونها طمع ولا بخل، وهدف واضح وضوح الشمس، ويقين راسخ رسوخ الشم الرواس أن المستقبل لهذا الدين طال الزمن أو قصر، يصدق الله وعده شاء من شاء وأبى من أبي، ومن أصدق من الله قيلا.
مثلت الهجرة ذروة اليأس من مجتمع قريش أن يعزهم الله بهذا الدين أو أن يحملوا شرف بلاغه إلى العالمين، فكان لابد من البحث عن أرض جديدة، ومنطلق جديد، والأمة في مخاضها الجديد سوف تحتاج إلى هذه المفاصلة بينها وبين مجتمعات استنفذت فرصها ونفد رصيدها، ولعل الخير يأتي من موضع آخر غير الذي كان الدعاة يحرثون فيه منذ سنين.
لم يكن عفو الخاطر اختيار الفاروق رضى الله عنه، التأريخ للأمة المسلمة بحدث الهجرة بديلا عن بعثة النبي الأعظم أو ميلاده، وبديلا عن يوم الفرقان يوم بدر، وبديلا عن المحطة الفارقة يوم الأحزاب، وغيرها من الأحداث العظام.
الهجرة تعني الدولة، الهجرة تعني فتح الباب لبدر والأحزاب، الهجرة تمثل عالمية الإسلام وانطلاقه، وعدم ارتباطه بقريش ولا بمكة، وإنما الإسلام لمن قام به، وحفِظَهُ ودافع عنه، وضحى في سبيله، الهجرة تعني تحول المسلمين من حالة رد الفعل، إلى حالة المبادرة، تعني أن قوما قد رهنوا حياتهم وأموالهم وأوطانهم، ماضيهم ومستقبلهم لهذا الدين.
الهجرة تعني التخلي عن حالة الاستضعاف والخنوع، والتمسك بالتراب، إلى إيلام العدو والنيل منه، تعني الخروج من ضيق «دار الأرقم» إلى سعة «من أراد أن ييتم ولده فليلقني خلف هذا الوادي» تعني الهروب من سفاسف مال تليد وتجارة رائجة، إلى معالي «ربح البيع أبا يحي»، تعني شفاء الصدور يحين يدوي صوت المظلومين «رأس الكفر ... لا نجوت إن نجا» بديلا عن أنين «أَحَدٌ أَحَدْ ... فَرْدٌ صَمَد» وكلا وعد الله الحسنى، الهجرة تعني «لَوْلَا الهِجْرَةَ، لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الأَنْصَارِ» صدقت يا حبيب الله!
أعد الملف لبيان للناس: أحمد سليمان (باحث ومحرر)