حَسَنُ البَنَّا ... المُلْهَمُ المَوْهُوبُ

في مقدمة كتابه عن الإمام الشهيد حسن البنا رحمة الله عليه، قال الأستاذ عمر التلمساني «فإذا كان اليُمْنُ قد أسعدك بمعرفة الإمام الشهيد فستردك هذه الكلمات إلى ماض قريب في الزمن، بعيد في الأثر، تناجي فيه ذكرياتك الهانئات مع الإمام الشهيد، ولعلك تنعم بتداعي الأفكار، فتذكر ما لم تكن تذكر، أو ما تظن أنك نسيته، وإن لم يسعدك قدرك بلقاء فضيلته فستري فيما تقرأ شيئا عن شخصية تود من كل جوانحك أن لو كان قد قٌدِّرَ لك أن تراها».
لخصت نلك الكلمات الموجزة بهذه العاطفة الفياضة وصفا دقيقا للإمام الشهيد رحمه الله، ولقد صدق الرجل، ما قرأ أحد ما كتبه الراحل التلمساني عن الإمام إلا وتمنى لقاءه، إن الإنسان ليتملكه شعور عجيب وهو يقرأ تلك الروايات، ولولا أن كاتبها حقوقي ثقة لساورك الشك أن هذا من مغالاة المريدين، ولو كتبه عن رجل حي يملك العطاء والمنع لقلنا يرجو نواله أو يخشى مضرته، لكنه اختار الخلوة بعيدا كما يفعل العشاق، ليتذكر أيامه مع الملهم الموهوب، ويسجلها كما تذكرها.
لم يختلف الناس حول الإمام الشهيد، إلا بعد خلافهم السياسي والحزبي مع الجماعة التي أسسها، ومع أني أكره تلك المقابلة أشد ما أكره، إلا أنك لن تجد مفرا وأنت تقرأ في سيرة الرجل من أن تفعل ذلك، فالمواقف تفرض أنفسها فرضا، هل ترى رسول الله الصادق الأمين، يأتمنه الناس على أعز ما يملكون، ويحكمونه في أمر الكعبة أقدس ما يقدسون، ثم إذا قال لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحو، قالو: ساحر! مجنون! كذاب! تبا لك سائر يومك!!!، لم يكن أحد من العقلاء بقادر على أن يجد في الرجل مثلبا أو مطعنا، اللهم إلا مطعنا مبعثه الغيرة، أو أثارة من جاهلية بغيضة يلمز الرجل في موضعه في درجات السلم الاجتماعي، وينقم عليه استئثاره بحب الناس دون غيره من ذوي النفوذ والسلطة.
البعض ينقم على الإخوان المسلمين مغالاتهم في حبهم الشديد للإمام البنا، والحقيقة أن معظم المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين إنما يجهلون عن الإمام البنا أضعاف أضعاف ما يعرفون، ولو عرفوه حق المعرفة لربما وقعت المغالاة حقا، حينما تعمقت قليلا في البحث عن الرجل، قلت لعل أحدا لم يوفق إلى التأسي برسول الله حقا كما قدر للرجل أن يفعل، ليس على مستوى الهيئة والملبس، فهذا هين ميسور، لكن على مستوى السر والعلن، على مستوى الحياة والممات، على مستوى الفعل والتأثير، على مستوى الاجتماع والاقتصاد والسياسة، على مستوى حب الأتباع وتعلقهم به، على مستوى الفهم الحقيقي العميق لمرامي هذا الدين ومقاصده، لكأنما كان يضع خطوته على خطوة الهادي تيركا وترحما.
ألم تر إلى رسائله إلى الملوك والأمم المتحدة والجامعة العربية، وجماعة الإخوان لا زالت بعد وليدة، لم يعرف بها إلا قليل من الناس.
الإمام الشهيد ليس وثنا ندور حوله طلبا للبركة، ولا أيقونة للمظلومية نستدعيها إثباتا للبراءة أو طلبا للتعاطف، وإنما رجل ملأ الزمان والمكان حركة وتجديدا وتنويرا وصبرا وجهادا وأنموذجا ومثالا، ويكأن الدنيا بما رحبت قد ضاقت عن استيعاب ملكات الرجل، فحرج منها محمودا ينشد لقاء العلي الأعلى، نحسبه كذلك والله حسيبه، فرحمة الله عليه وعلى مجددي الأمة العظام.