رابعة - 7 سنوات عجاف ... ولا زالت غيمة الدم تُجَلِّلُ الوطن

يصمت المرء طويلا حين تفجعه فاجعة عظيمة، لا يرى أن في لغات الأرض مفردات كافية للتعبير عما يشعر به، فلا يكاد أحدٌ ممن شاركوا في اعتصام الأحرار، الرجالُ الرافضون النزولَ على رأي الفسدة، من اعتصموا حتى لا يعطوا الدنية من دينهم وحريتهم - لا يكاد أحدهم أن يصدق أن سبعة أعوام كاملة قد مرت على ذكرى سحابة الدم التي جللت جبين جيل كامل بالعار، ولا يزال يدفع كلفة فاتورتها القاسية إلى اليوم وطن كامل.
كان يوما كألف سنة مما تعدون، لم تكن ساعات النهار منذ بزوغ الفجر إلى غياب الشمس، ساعات ككل الساعات، بل إن كل ثانية فيها كانت دهرا، ولم تتح الفرصة كاملة بعد للبواكي أن تبكي، ولا للحكواتي أن يحكي، ففي كل يوم فاجعة جديدة تغطى على ما قبلها، حتى صارت الفواجع أصلا وأيام الصفا كشعرة بيضاء يتيمة في بدن الثور الأسود.
لكن حكيما يدفع اليوم ثمن حكمته - في زمان تسلط فيه السفهاء - قد لخص المشهد كاملا في بضع كلمات: «أيها الفرحون بقتلهم.. أطلت عليكم غمة لا تفرج» ويكأنه كان يكتب بمداد حريته في دفتر القدر، فمنذ أن سالت دماء الأطهار فداء لهذه الأرض، تنكرت الأرض لساكنيها، فما عادت بالأرض التي يعرفون، ولم يشرق بعد يوم رابعة على تلك الأرض يوم كأيام ما قبلها ولا مثله، ثم صارت رابعة خطا فاصلا بين حلم جميل تشربته نفوس الأحرار وآمنت به وضحت في سبيله، وكابوس ثقيل يحلم صاحبه بـ «ساعة أوميجا» ويقابل الخونة في أحلامه ثم يصحو من نومه ليجعل الناس يترحمون على أيام الخونة والمفرطين.
كان الناس قبل أغسطس 2013 يعرفون تقاطع الطرق أمام مسجد رابعة العدوية، بإشارة رابعة، ثم صارت من بعدُ إشارة أيضا، لكنها إشارة وشعار، يعتز به الراغبون في الخلاص والحرية، ويتمثله الناس في مشارق الأرض ومغاربها حين يريدون اختصار المعاني الكبيرة في الرمز البسيط المعبر تماما عن تمام المعنى وكماله، عن الحق الخالص في مقابل الباطل الخالص، عن الرغبة في الطهر والتطهر في مقابل الإصرار على التدنس بشهوات السلطة والنفوذ، عن التوق للحرية مقابل الاستسلام للعبودية، عن الرغبة في البناء والتقدم مقابل الإصرار على الهدم والتدمير.
كان الغالب الأعم من المعتصمين لا يرنو إلى سلطة ولا يتطلع إلى مطمع، نعم كان بعضهم يتعرض لمظان الشهادة في سبيل قضية عادلة عله يفوز بها، لكن جلهم كان راغبا في الحياة، محبا لها، مقبلا عليها، لكنه كان يرغب في حياة آدمية حرة كريمة، لا يحتاج أن يتسول فيها حقوقه، ولا أن يستجدي من إنسان مثله لقمة مغموسة في الذل، كان معظمهم قد جرب الغربة داخل الوطن وخارجه ثم ذاق في سنوات الثورة المعدودات لذة أن يكون لك وطن، فكان يستمسك بذاك الشعور بكل قوته يخاف أن يفلته، كان يدرك أنه حين يفقد روح الوطن سيفقد روحه معها، وسيعود غريبا كما بدأ.
رحلت قوافل الشهداء والمقهورين وجرحى النفوس، من ميدان رابعة تشكو إلى بارئها قسوة الإنسان، حين يحوله جشع السلطة وشهوة المادة إلى أبئس من إبليس، وتركوا خلفهم بحيرة من دماء الأبرياء، أحرقها الطغاة وغسلوها مرارا، لكن قد بلغ غباؤهم أن لا يدركوا أن الأرض لا تشرب الدماء.
والمفجع في الأمر أن آلافا شاركوا الطغاة في سفك الدماء البريئة، فرحون ومحرضون، منتفعون وموتورون، سفهاء وحمقى وبلاطجة، كان المعتصمون ينافحون لهم عن حقوقهم ويدفعون فاتورة حريتهم وحياتهم الكريمة، لكنهم كانوا خبث الأرض ونتنها، أخرجته دفعة واحدة فجرف الحلم، وقتل الحالمين.
يا وطني ... كثر فيك الخبث، والمحرقة التي تعاني منها الآن، هي نار التطهر التي لا مفر منها، وحين تستوفي حقها، وتبلغ قدرها المقدور، ستعود الأرض وقد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
أعد الملف لبيان للناس: أحمد سليمان (باحث ومحرر)